حامد عرب

يُشكل يوم الأرض معلماً بارزاً في التاريخ النضالي للشعب الفلسطيني، باعتباره اليوم الذي أعلن فيه الفلسطينيون تمسكهم بأرض آبائهم وأجدادهم، وتشبثهم بهويتهم الوطنية والقومية وحقهم في الدفاع عن وجودهم رغم عمليات القتل والإرهاب والتنكيل التي كانت وما زالت تُمارسها سلطات الاحتلال الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني، بهدف إبعاده عن أرضه ووطنه.

ومنذ قيام الكيان الصهيوني، اعتمد على ممارسة سياسة تهويد الأرض العربية واقتلاع الفلسطينيين من أرضهم التي انغرسوا فيها منذ أن وجدت الأرض العربية، وذلك عبر ارتكاب المجازر المروعة بحق الفلسطينيين، ولم تكتفِ سلطات الاحتلال الصهيوني بمصادرة أراضي الفلسطينيين الذين أُبعدوا عن أرضهم، بل عملت تباعاً على مصادرة ما تبقى من الأرض التي بقيت بحوزة من ظلوا في أرضهم. يوم الأرض ...

في يوم السبت الثلاثين من شهر آذار من العام 1976، وبعد ثمانية وعشرين عاماً في ظل أحكام حظر التجوال والتنقل، وإجراءات القمع والإرهاب والتمييز العنصري والإفقار وعمليات اغتصاب الأراضي وهدم القرى والحرمان من أي فرصة للتعبير أو التنظيم، هب الشعب الفلسطيني في جميع المدن والقرى والتجمعات العربية في الأراضي المحتلة عام 1948 ضد الاحتلال الصهيوني، واتخذت الهبة شكل إضراب شامل ومظاهرات شعبية عارمة، قامت خلالها قوات الاحتلال بأعمال القتل والإرهاب بالفلسطينيين، حيث فتحت النار على المتظاهرين مما أدى إلى استشهاد 6 فلسطينيين هم: الشهيدة خديجة شواهنة، والشهيد رجا أبو ريا، والشهيد خضر خلايلة من أهالي سخنين، والشهيد خير أحمد ياسين من قرية عرابة، والشهيد محسن طه من قرية كفركنا، والشهيد رأفت علي زهدي من قرية نور شمس واستشهد في قرية الطيبة، هذا إضافة لعشرات الجرحى والمصابين، وبلغ عدد الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال الصهيوني أكثر من 300 فلسطيني. كان السبب المباشر لهبة يوم الأرض هو قيام سلطات الاحتلال الصهيونية بمصادرة نحو 21 ألف دونم من أراضي عرابة وسخنين ودير حنا وعرب السواعد وغيرها، لتخصيصها للمستعمرات اليهودية، في سياق مخطط تهويد الجليل.

ويُشار هنا إلى أن سلطات الاحتلال كانت قد صادرت خلال الأعوام ما بين عام 1948 إلى عام 1972 أكثر من مليون دونم من أراضي القرى العربية في الجليل والمثلث، إضافة إلى ملايين الدونمات الأخرى من الأراضي التي استولت عليها بعد سلسلة المجازر المروعة التي ارتكبها جيش الاحتلال وعمليات الإبعاد القسري التي مارسها بحق الفلسطينيين عام 1948.

فهبة يوم الأرض لم تكن وليدة صدفة بل كانت وليدة مجمل الوضع الذي يُعانيه الشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة منذ قيام هذا الكيان الصهيوني، وقد شارك الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1967، ولقد أجمعت جميع شرائح الشعب الفلسطيني، على أن يوم الأرض أصبح يُمثل مناسبة وطنية فلسطينية وعربية ورمزاً لوحدة الشعب الفلسطيني التي لم تنلْ منها كل عوامل القهر والتمزق، وذكرى للتلاحم البطولي للشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده. ويؤكد عضو المجلس التشريعي ورئيس كتلة فلسطين المستقلة النائب الدكتور مصطفى البرغوثي في هذا اليوم، على أن يوم الأرض يُجسد ذاكرة النضال للشعب الفلسطيني من أجل استعادة حقوقه، ويُجسد نضال الشعب الفلسطيني من اجل البقاء والوجود على هذه الأرض، مضيفاً: "كانت الهبة في يوم الأرض لها مغزيان: المغزى الأول، هو استمرار تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه، والمغزى الثاني، أنها جسدت وحدة الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده سواء في الداخل أو في الخارج أو في أراضي فلسطين عام 1948."

وقال: "أصبح الاحتفال بيوم الأرض، مناسبة لتجديد النضال ضد الاستيطان المستشري، الذي أصبح يُهدد كل الوجود الفلسطيني، ومناسبة للنضال ضد جدار الفصل العنصري الإجرامي، الذي يلتهم الأراضي الفلسطينية، والذي أصبح سلاح الكيان الرئيس في التوسع والاستيطان."

أما بخصوص الجهود الواجب بذلها لمواجهة مصادرة الأراضي، أوضح البرغوثي، أنه لا يُمكن حل الأمر إلا بتنظيم أوسع لهبة شعبية جماهيرية ومقاومة شعبية شاملة، بالإضافة إلى حركة تضامن دولي واسعة مع الشعب الفلسطيني، منوهاً إلى أنه من الضروري استنهاض طاقات الفلسطينيين في كل مكان، لمواجهة وإسقاط مخطط (أولمرت) الداعي إلى الفصل أحادي الجانب ومصادرة ونهب المزيد من الأراضي. وأشار، إلى أن الخطر الكبير الذي تواجهه القضية الفلسطينية منذ نشأتها هو المخطط الصهيوني لتصفية ونهب الأراضي الفلسطينية، وفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، ومصادرة أكثر من 42% من أراضي الضفة الغربية.

بدوره، يقول مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان الدكتور راجي الصوراني: "أن جوهر الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني منذ العام 1948 وحتى اللحظة، استند على أن الاحتلال اعتمد على "منطق" وغطرسة القوة، وجاءت كل إجراءاته التي تهدف إلى الاستيلاء على الأرض الفلسطينية ومصادرتها، تحت بند إقامة وقائع جديدة عليها وكذلك لتكريس وجوده."

وأشار، إلى أن يوم الأرض هو يوم إجماع للشعب الفلسطيني كحالة رمزية لمدى بطش وعنف هذا الاحتلال، ومدى تمسك الشعب الفلسطيني بكل السبُل بأرضه، منوهاً، إلى أن حق تقرير المصير الذي صدر عن الأمم المتحدة، لم يُقرْ بصورة عبثية، بل أُقر ليُعطي كل شعب محتل الحق في المقاومة بكل أشكالها، بما فيها الكفاح المسلح لاسترداد أرضه وحقوقه.