يجدر أن نوضح بداية أننا نتحدث في هذا الباب عن الانتخابات التشريعية (وليس المحلية أو الرئاسية) وعن واقعها العام في العالم العربي.

والانتخابات التشريعية المنتجة برلمانات ليست قديمة العهد في كل البلاد العربية. فهي ظاهرة جديدة في بعض دول الخليج العربي (البحرين وقطر التي تتحضر لإجرائها في 2007)، وهي ظاهرة متقطعة تاريخياً في المشرق والمغرب العربيين بسبب الانقلابات العسكرية وقوانين الطوارئ، أو بسبب الأزمات السياسية والتذرع بالحروب (العراق والكويت وسوريا والأردن ولبنان ومصر والجزائر). كما أنها جرت وتجري في الكثير من الأحيان من دون حياة حزبية حقيقية (العراق وسوريا وتونس)، أو من دون مشاركة النساء فيها (الكويت – حيث أقر منذ أشهر فقط حق النساء في المشاركة). ولعلّه لا خطر مبالغة في اعتبار الانتخابات الفلسطينية الأخيرة الأكثر تقدماً عربياً الى الآن لجهة قانونها ولجهة ما أنتجته من تداول ديموقراطي للسلطة. لا تعدّ الانتخابات في العالم العربي حتى يومنا استحقاقاً حاسماً لتشكيل النخب السياسية وتجديدها، ولتمثيل التيارات المختلفة وإنتاج أكثريات وأقليات فعلية تحكم خلال ولاية المجلس المنتخب. ويعتبر المغرب في تجربته منذ أواسط التسعينات استثناءً جزئياً في المشهد العربي العام، كما لبنان منذ انتخاباته النيابية عام 2005 (رغم رداءة القانون الذي جرت في ظلّه) - وطبعاً فلسطين (في آخر انتخابات).

كما أن سيطرة السلطة التنفيذية على الحياة السياسية في معظم الدول العربية، وغياب مفهومي المساءلة والمراقبة، يهمشان المجالس التشريعية المنتخبة ويلجمان من أهمية المشاركة فيها وتحويلها أداة تجديد للثقة بالقوى الحاكمة أو حجبها عنها.

لكن الانتخابات التشريعية تبقى رغم ذلك استحقاقات مهمة وضرورية ينبغي الدفاع عن دوريتها، وتطوير الثقافة والسلوك المحيطين بها، واستغلالها لتقديم أفكار وبرامج سياسية جديدة، ومحاولة مصالحة فئات من المواطنين مع الحياة العامة ومع العمل السياسي الذي يشهد تراجعاً وانحساراً في دوائر الاهتمام إنطلاقاً منها.

في العناصر المتحكمة

بالسلوك الانتخابي

يمكن القول إن أهم ما يتحكم بالسلوك الانتخابي في العالم العربي مرتبط بالانتماءات الأولية للناخبين. فالقبلية أو العشائرية أو العائلية أو الطائفية المندرجة جميعها تحت مظلة النظام الإجتماعي البطريركي تحسم خيارات الناخبين في الكثير من الأحيان.

كما أن البعد الخدمي في العلاقة مع المرشح، وقرب الأخير من السلطات ومراكز النفوذ يرجحان تصويت الناخب له أو لغيره. ويطرح هذا الأمر إحدى إشكاليات علاقة الناخب بالمرشح القائمة على الخدمة الشخصية أو على الاعتقاد بوجود هذه الخدمة أكثر منها على العلاقة بالشأن العام وعلى الكفاءة التشريعية والرقابية.

يضاف الى ذلك، أن ازدياد انخراط المتمولين في الانتخابات وطموحهم السياسي المباشر (أو من خلال دعم مرشحين مقرّبين) بات يعطي المال والرشاوى بعداًَ مهماً في الانتخابات. وهو بعد قد يصير حاسماً حين تنتفي الرقابة على الإنفاق المالي، أو حين لا تحدد سقوف مالية للإنفاق الانتخابي.

أما الانتماءات السياسية في الانتخابات حيث فعل الاختيار والالتزام، فغالباً ما تأتي في الدرجة الثانية. ولا تعد الحزبية، إلا في حالات القوى والحركات الإسلامية وبعض التيارات اليسارية والقومية، عنصراً حاسماً في خيارات أكثر الناخبين.

في الأنظمة الانتخابية

تشكل الأنظمة الانتخابية لجهة أنماط التصويت وطرق تقسيم الدوائر الانتخابية أبرز محددات مسار الانتخابات ونتائجها في الكثير من الأحيان. ويلاحظ الباحث أن العديد من الانظمة الانتخابية في العالم العربي تفتقد الى مقومات العدالة التي ينبغي أن تجسدها لجهة تأمينها المساواة بين الناخبين وشروط التنافس المتكافئ بين المرشحين. فالسلطات غالباً ما تصمم أنظمة الانتخاب بحسب مصالحها (النظام الأكثري البسيط في لبنان في دوائر كبرى)، وتقسم الدوائر وفق هندسة سياسية واجتماعية لا تراعي وحدة التشريع، أو تقيم نظم تصويت تمنع على معارضيها إمكانات الفوز (نظام الصوت الواحد في الأردن مثلاً)، ناهيك بتخصيصها عدداً محدوداً من المقاعد يسمح بالتنافس عليه (الحالة التونسية).

ومن المفيد أن أشير هنا الى ان الأنظمة الانتخابية التي تعتمد القوائم النسبية، أو تلجأ الى الجمع بينها (لعدد معيّن من المقاعد) وبين الدوائر الفردية (للعدد الآخر)، هي التي تحقق الحد المقبول من صحة التمثيل. ولعلها مفارقة أن يكون العراق وفلسطين، وهما تحت الاحتلال الكامل أو الجزئي اليوم، قد اعتمدا أفضل النظم الانتخابية عربياً: النسبية كاملة في الحالة الأولى، والنظام المركب في الحالة الثانية (في معزل عن كل الملابسات السلبية التي يمكن الخوض فيها، لا سيما في الحالة العراقية)!

في إدارة الانتخابات

تشرف على الانتخابات في معظم البلدان العربية وزارات الداخلية. وإضافة الى فلسطين، تعد اليمن حالة فريدة حيث هناك لجنة عليا للانتخابات مستقلة (نظرياً) في عملها عن وزارة الداخلية.

ولا تلعب مجالس القضاء (أو المجالس الدستورية) أدواراً إلا قبل بدء العمليات الانتخابية إن قدم نواب إليها طعوناً في دستورية الأنظمة الانتخابية، أو بعد نهاية العمليات الانتخابية وصدور النتائج إن تقدم المرشحون الخاسرون وفق شروط معينة بمراجعات طعن في نتائج الانتخابات.

ويرى العديد من السياسيين والباحثين والناشطين في المنظمات الأهلية والمدنية العربية أن تفويض وزارات الداخلية الإشراف على المراحل المختلفة المتعلقة بالاستحقاقات الانتخابية ليس في مصلحة النزاهة، لأن وزراء الداخلية غالباً ما يكونون غير محايدين، ووزاراتهم وأجهزتها تتبع السلطة السياسية وهي عادة طرف في الانتخابات (هذا إن لم يكن وزير الداخلية نفسه مرشحاً).

تتفرّع عن إدارة الانتخابات قضيتان مهمتان. الأولى تتمثل في طرق إعداد قوائم الناخبين (أو لوائح القيد) وما يمكن أن تتضمنه من أخطاء متعمدة أو غير متعمدة، بحيث تشطب أحياناً أسماء وتضاف أسماء أخرى للتأثير في مجرى الاقتراع ونتائجه. والثانية هي دور القوى الأمنية في الإشراف على الانتخابات وتدخلها في العملية الانتخابية لجهة الترهيب أو ترك المشاكل المفتعلة تتفاقم لإبعاد الناخبين حيث يجب إبعادهم عن الصناديق.

ونظراً الى طبيعة أكثر الأنظمة العربية والتصاقها بالمؤسسات العسكرية والأمنية وانعكاس ذلك على علاقة المواطنين بهذه المؤسسات، يمكن اعتبار الحضور الأمني خلال الانتخابات وممارسات أعضائه عنصراً مهماً للحكم على مدى نزاهة الانتخابات وحيادية السلطة أو تحيّزها. في الإعلام والإعلان والانتخابات

يلعب الإعلام والإعلان الانتخابيان دوراً مهماً في الانتخابات. وفي الدول العربية حيث الإعلام "العام" أقرب الى مفهوم الإعلام الحكومي منه الى الإعلام المفتوح أمام الجميع وفي خدمة الجميع، تتحول وسائل الإعلام العام الى منابر للترويج للمرشحين من أهل السلطات أو من المحسوبين عليهم.

أما وسائل الإعلام الخاصة، فتتعاطى مع الشأن الانتخابي من خلال خدمة من يدفع لها أكثر، أو من يملكها إن كان معنياً بالانتخابات.

لذلك، تنتفي إمكانات التواصل السليم مع المواطنين من خلال الإعلام في أكثر الحالات، وتنعدم إمكانات الحصول على تغطية إعلامية متوازنة للمرشحين وفق قوانين أو قواعد واضحة.

ولا توجد في معظم الدول العربية تشريعات تضبط الإعلان الانتخابي، باستثناء تحديد الأماكن حيث يمكن وضع الملصقات أو الدعاية الانتخابية، ووضع السقف لأعداد الملصقات والمواد الانتخابية المفترض توزيعها، وتحديد القضايا السياسية التي يحظر التطرق إليها باعتبارها تمس الوحدة الوطنية أو المشاعر الدينية أو كرامات المسؤولين أو هيبة المؤسسة العسكرية (مما يعد رقابة وقمعاً أكثر منه تنظيماً للإعلان الانتخابي).

في تمويل الانتخابات

قضية أخرى ما زالت إشكالية في الانتخابات التشريعية في العالم العربي هي قضية تمويل الحملات الانتخابية.

وحتى حين تحدد القوانين ضوابط للإنفاق المالي، كما هي الحال في مصر والأردن واليمن والمغرب والجزائر وفلسطين وسواها، تبقى قدرة التحايل على القوانين كبيرة ومنفلتة من الرقابة.

فالرشاوى تدفع أحياناً في صيغة تبرعات لنواد وجمعيات قبل الانتخابات وبهدف التأثير عليها. ويمكن أن تكون من خلال استخدام مفرط للدعاية الانتخابية وتنظيم للقاءات حيث توزع وجبات الطعام والهدايا مجاناً. كما يمكن أن تأخذ الطابع المباشر من خلال دفع مبالغ مالية مقابل التصويت لمرشحين معينين.

ويصعب في مجتمعات أرهقها الفقر التحصن ضد المال وإبعاده عن دائرة التأثير في السياسة.

وهذا الموضوع بات منذ سنوات حيوياً في الانتخابات مع تزايد أعداد رجال الأعمال الراغبين (كما سبق وذكرنا) في توظيف مكانتهم الاجتماعية وعلاقاتهم الاقتصادية في المجال السياسي.

في رقابة المجتمع المدني

على الانتخابات

قامت في دول عربية عدة منظمات أو تحالفات مدنية هدفت الى مراقبة الانتخابات والتأكد من شفافية المسار الانتخابي ومن نزاهة الإجراءات عشية يوم الاقتراع وخلاله وأثناء الفرز.

وظهرت في اليمن ومصر عام 1995 تجارب جمعت محامين وباحثين وناشطين من منظمات أهلية تحالفوا وعملوا على إصدار تقارير حول الانتخابات وأعدوا لوائح بالمخالفات والانتهاكات القانونية التي تخللتها. لكن تجاربهم لم تستمر لأسباب عدة، منها عدم اعتراف السلطات الرسمية بها، ومنها تفكك تحالفهم وتباعد منظماتهم عن بعضها.

في العام 1996، تأسست في لبنان تحت إسم "الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات" جمعية تعنى بمراقبة الانتخابات ومتابعة القوانين والإجراءات الخاصة بها. ورغم عدم قبول السلطات بها وبدورها في سنواتها الأولى، إلا أن عملها لم يُعترض، وهي تمكنت من تنظيم أنشطة تثقيفية واستقطاب متطوعين ومراقبة الانتخابات التشريعية أعوام 1996 و2000 و2005 والمحلية عامي 1998 و2004 وإصدار تقارير حولها.

كما قامت في المغرب عام 2002 جمعية مدنية انبثقفت من "الفضاء الجمعوي المغربي" بهدف مراقبة الانتخابات وتنفيذ حملات تثقيف للناخبين والمرشحين فيها، لا سيما الشباب والنساء.

وتأسست في السياق نفسه أكثر من منظمة في فلسطين في السنوات العشر الأخيرة بهدف مواكبة الانتخابات والتعامل مع قضايا حقوق الناخبين وثقافتهم الانتخابية.

أما في ما يتعلق بالرقابة الدولية على الانتخابات التي غالباً ما تقوم بها منظمات أوروبية وأميركية مختصة، فقد جرى ذلك في الانتخابات الفلسطينية منذ قيام السلطة الوطنية وفي الانتخابات اليمنية عام 2003، وفي الانتخابات العراقية أواخر العام الماضي.

والرقابة الدولية موضوع حساس بالنسبة لأكثر الأنظمة العربية، إذ تعتبره مساساً بسيادتها وتشكيكاً بقدرتها على تنظيم انتخابات نزيهة.

خلاصة

بناء على ما ذكر، تعتبر دراسة الانتخابات والقوانين الانتخابية، وتقديم الاقتراحات المرتبطة بالأنسب لكل بلد، وإيجاد آليات مراقبة جدية للانتخابات، محلية ودولية، مسألة على قدر عال من الأهمية من أجل تحويل الانتخابات الى استحقاقات ديموقراطية جدية تسمح بتداول السلطة وتجديد النخب السياسية، ولا تكون مناسبات تستغلها السلطات القائمة لتجميل صورتها واختصار الديموقراطية ببعض المظاهر الانتخابية المموّهة.

ويواكب ذلك العمل السياسيالمدني الهادف الى تثقيف الناخبين وتحفيزهم على المشاركة في الانتخابات ومراقبة أداء من ينتخبون ومساءلتهمعلى مسلكهم ومواقفهم إنطلاقاً مما كانوا قد وعدوا به وأعلنوا عنه قبل الانتخاب...

إن مسار الديموقراطية طويل عربياً، والانتخابات الحرة خطوة أساسية فيه، ومن الضروري بذل كل جهد داخلي وخارجي للوصول الى ما يدعّم هذا المسار ويشجّع القائمين عليه.