بقلم: نصر شمالي

القانون الذي صدر في باريس تحت الرقم 158، بتاريخ 23/2/2005، أراد معالجة علاقات فرنسا بمستعمراتها خلف المحيطات عبر القرون الماضية، وأراد من جهة أخرى معالجة علاقاتها مع أبناء تلك المستعمرات في الوقت الراهن، أما أبرز الأسباب الموجبة فهي ظاهرة الهجرة الكثيفة (غير الشرعية) إلى فرنسا وغيرها من البلدان الاستعمارية!

لم توقف الأخطار المميتة موجات المهاجرين، سواء تلك التي يتعرضون لها على أيدي المحتالين الذين ينظمون عمليات التسلل ثم يلقون ضحاياهم في الطريق إلى التهلكة، أم تلك الناجمة عن الأخطار البحرية ووسائط النقل غير الصالحة، أم مواجهة رصاص خفر السواحل الذين يقتلون من يقتلوه وينقلون الباقي إلى معسكرات الاعتقال الأوروبية، فموجات الهجرة لا تتوقف على الرغم من ذلك، لأنه لم يعد أمام أبناء المستعمرات السابقة من خيارات أخرى للعيش بعد أن أصبحت بلدانهم (قاعاً صفصفاً) قبل أن يغادرها المستعمرون الأوروبيون الذين دمرّوا جميع بناها المادية والاجتماعية وجعلوها عاجزة عن النهوض بقواها الذاتية، وبالتالي فإن المهاجرين يعتقدون أن لهم حقاً في الذهاب إلى البلدان الاستعمارية، من أجل تأمين الكفاف، وهي التي جاءت إليهم فكدست الثروات على حساب إفقارهم، وشادت الصروح على أنقاض دمارهم، وحققت الأمجاد على حساب ذلّهم وبؤسهم، وها هي فرنسا التي يعّد سكانها حوالي ستين مليوناً وقد فاق دخلها القومي لوحدها، أضعافاً مضاعفة، جميع دخول بلدان القارة الأفريقية التي تعدّ حوالي ثمانمائة مليوناً (تستثنى منها جنوب أفريقيا) فكيف عالج القانون الفرنسي رقم 158 هذه العلاقة ببعديها الماضي والحاضر؟ لقد دعا القانون مراكز الأبحاث الجامعية الفرنسية إلى إيلاء مكانة معتبرة للاستعمار الفرنسي، خاصة في المغرب العربي، وإلى التعريف عبر مناهج التعليم بالدور الإيجابي التحضيري للمحاربين في الجيوش الفرنسية ولتضحياتهم! أما عن المهاجرين الحاليين إلى فرنسا من أبناء مستعمراتها فقد نص القانون على الحدّ من هجرتهم وإخضاعهم لمبدأ الانتقاء بناء على الحاجة! * * *

في معرض التعليق على هذا القانون المتعنّت الظالم نعود إلى ضحية واحدة من ضحايا الاستعمار الفرنسي، وهي الجزائر، فنذكر أن اجتياحها بدأ في العام 1830، وأنه كان تكراراً واستمراراً لعمليات الإبادة والاستيطان في القارة الأميركية وغيرها، وشبيهاً بما يفعله اليهود الصهاينة في فلسطين منذ عشرات السنين، فعندما بدأ ذلك الاجتياح كان عدد الأوروبيين المدنيين المتواجدين في الجزائر بحدود ستمائة، فصار عددهم بعد عامين خمسة آلاف، وحينئذ، أي في عام 1832، وقف الجنرال بيجو خطيباً أمام قواته العسكرية، معلناً أهداف حملته، قائلاً من دون تلعثم أو حرج: يجب القيام بغزو فرنسي أوروبي واسع، لكننا بحاجة إلى معمّرين (مستوطنين) يهيئون لكم أفضل الظروف. وحيث يوجد الماء الصالح والأرض الخصبة ينبغي توطين المعمّرين من دون أي اعتبار لمالكي الأرض. يجب أن نوزع الأرض على المستوطنين ونسجلها ملكاً لهم. علينا أن نسير إلى غاية ثابتة، وأن نتوصل إلى تأسيس ولاية فرنسية (من المستوطنين الأوروبيين) لابد من غزو واسع لأفريقية مماثل لغزو القوط، فمن دون ذلك لن نصل إلى شيء! لقد كان الجنرال بيجو يتحدث عن "نيوفرانس" في الجزائر على غرار "نيو انكلاند" في اميركا، ومثلما تحدث لاحقاً تيودور هرتزل عن "دولة يهودية" في فلسطين! * * *

وفي ما بعد، عبر تواصل عمليات الإبادة والاستيطان في الجزائر، أعلن الجنرال الفرنسي الآخر، المدعو دورو فيجو، مايلي: ما دام تحضيرهم متعذّراً (يقصد عرب الجزائر) فلابدّ من دفعهم بعيداً، مثل الحيوانات المتوحشة التي تغادر المناطق المأهولة. لابد من دحرهم إلى الصحراء أمام التقدم البطيء لمؤسساتنا، وأن نلقي بهم دوماً إلى الصحراء! طبعاً، كان مقرراً مسبقاً عدم قابلية الجزائريين للتحضر وضرورة إبادتهم، وكانت عملية دفعهم إلى الصحراء تعني دفعهم إلى الهلاك بأية طريقة، أي إبادتهم، وبعد قرن وعشر سنوات من الاحتلال الاستيطاني، في عام 1940، أصبحت مساحة الأراضي المستولى عليها من قبل المستوطنين الأوروبيين في حدود 6.8 مليون هكتار، تشمل ثلاثة أرباع الأراضي الصالحة للحياة، ويقطنها خمسة وعشرون ألف مستوطن يستأثرون بها لوحدهم، أما ربع الأراضي الصالحة فقد بقي (مؤقتاً) للشعب الجزائري كله، وكان سيطرد منه لو نجح الاستيطان الفرنسي في دحر الجزائريين نهائياً إلى الصحراء، أي في إبادتهم كالهنود الحمر! وهنا لابد من التذكير بأن حفنة من المستوطنين اليهود يسيطرون اليوم على ما يقارب الخمسين بالمائة من أراضي الضفة الغربية الفلسطينية في مواجهة الشعب الفلسطيني المحروم المحاصر بملايينه، وبالطبع فإن الجنرال موفاز ليس سوى الجنرال بيجو، يتابع مهمته التمدينية في فلسطين! * * *

لقد أنشأ المستوطنون الأوروبيون في المدن الجزائرية قرى/ مستوطنات خاصة بهم، تماماً كما فعل اليهود ويفعلون في فلسطين، وشكلوا بلدياتهم كاملة السلطات، بينما البلديات الجزائرية لا تملك من أمرها شيئاً (كما هو الحال في فلسطين) ثم راحوا يلحّون على حكومتهم في باريس أن تمنحهم الحكم الذاتي، فقد كانوا يزمعون السير بالضبط على خطا المستوطنين الإنكليز في أميركا، فمثلما قطع الإنكليز الأميركيون حبل السّرة مع العاصمة الأم لندن واستقلوا عنها، كان الفرنسيون الجزائريون يتطلعون إلى اليوم الذي يقطعون فيه حبل السرّة مع العاصمة الأم باريس ويستقلون عنها، أما شعوب أميركا، وأما شعب الجزائر، وشعب فلسطين ومجمل الأمة العربية، فلا أهمية لهم ولا يستحقون الذكر ومصيرهم الزوال! وبالفعل، سيطر المستوطنون على الإدارة الفرنسية في الجزائر سيطرة تامة خلال الحرب العالمية الثانية، وفي عام 1951 صار عددهم مليوناً ومائة ألف، وفي عام 1961 بلغ المليونين، وعشية استقلال الجزائر تمرّدوا على عاصمتهم الأم، وحاولوا المضي قدماً في إفناء الشعب الجزائري الذي لم يكن قد بقي له من وطنه سوى الصخور الجبلية والرمال الصحراوية حقاً، لكن الشعب الجزائري تمكّن من طردهم، ليغرق حتى يومنا هذا في محاولات الخروج من الدمار الشامل الذي خلفوه وراءهم! هل هذا يكفي للردّ على القانون الفرنسي رقم 158، تاريخ 13/2/2005؟ أظنه يكفي ويزيد! www.snurl.com/375