الى اللقاء في 24 تشرين الثاني 2007؟

ذلك هو الإنطباع الأولي الذي تعكسه نتائج الجولة الخامسة من الحوار الوطني أمس. وعلى غرار الجولتين السابقتين، لم يكن متوقعاً توصّل الأفرقاء المتحاورين الى بت مصير رئيس الجمهورية. وفي حصيلة مداولات طويلة استجاب رئيس المجلس نبيه بري والمشاركون لاقتراح رئيس الهيئة التنفيذية لـ"القوات اللبنانية" سمير جعجع تأجيل الموضوع الى مهلة أخيرة يصير الإتفاق فيها أو طيه. وكان قد لاحظ أن الحوار يراوح مكانه.

ويكمن المأزق الرئاسي في العوامل الآتية:

ما لم يقرر الرئيس إميل لحود التنحي أو يحدث ما ليس في حسبان أحد، سياسياً أو أمنياً، فإن أحداً في الداخل لا يستطيع إرغامه على هذه الخطوة. عام 1952 كانت الغالبية النيابية تدعم الرئيس بشارة الخوري إلا أنه قرر التنحي. وعام 1976 وقع ثلثا مجلس النواب عريضة لارغام الرئيس سليمان فرنجيه على الاستقالة فلم يمتثل.

تتشبّث الغالبية النيابية بما يرفضه الفريق الآخر، وهو فصل استقالة لحود عن التوافق على خلفه. ويعكس هذا الأمر إصرار على رئيس يخرج من صفوف 14 آذار بحجة انها تسيطر على الأكثرية المطلقة من أصوات البرلمان. وهذا ما حمل زعيماً بارزاً في الغالبية على القول إنه لا يوافق على تجيير أصواتها لانتخاب رئيس يؤيده الفريق الآخر من جهة، ولأن فريق الغالبية ينفر من مجرد مفاتحته بأمر ترشيح الرئيس ميشال عون للرئاسة.

حاول رئيس المجلس فتح ثغرة في الحوار العالق عند بند رئاسة الجمهورية عندما خاطب الحاضرين في الجولة الرابعة، وكرر العبارة أمس، بأن تضع الغالبية على طاولة الحوار أسماء مرشحيها لخلافة لحود. في جلسة البارحة أيضاً قال النائب الياس سكاف إن ثمة لائحة متداولة تضم اسماء أربعة مرشحين محتملين رُفعت الى بكركي وبينها إسم عون، مطالباً الغالبية بكشف الأسماء الثلاثة الأخرى. وحمل ذلك النائب غسان تويني على القول إن عون وحده دون سائر المرشحين لم يخجل باعلان ترشحه.

إن الحقيقة الفعلية الماثلة أمام المتحاورين هي أن لا رئيس جديداً للجمهورية من دون اتفاق غالبية الثلثين في مجلس النواب على بديل، سواء استقال لحود أو لم يفعل. وهي المشكلة نفسها التي ستواجه المتحاورين، بعد سنة ونصف سنة، سواء استمر مؤتمرهم الى يوم انتهاء ولاية الرئيس الحالي أم لا.

بذلك يتأكد أن النصاب الدستوري هو نصاب سياسي كذلك، وإن معظم الرؤساء اللبنانيين انتخبوا من الدورة الأولى للإقتراع بنصاب الثلثين وأحياناً أكثر، كالرؤساء كميل شمعون وشارل حلو والياس سركيس وأمين الجميل وإميل لحود. كما أن التئام جلسات انتخاب كل الرؤساء اللبنانيين اقتضى تبعاً للأصول الدستورية تأمين نصاب الثلثين. وهذان الثلثان حملا سوريا عام 1976 على تأمين وصول النواب بالمصفحات ومواكبة رجال "الصاعقة" من أجل انعقاد الجلسة. والذين يتذكرون تماماً انتخاب الرئيس بشير الجميل عام 1982 ينتبهون الى أن المشكلة الفعلية التي صادفت الزعيم الشاب لم تكن الحصول على أصوات الأكثرية المطلقة التي تضمن فوزه من الدورة الثانية للإقتراع، وإنما تأمين نصاب الثلثين لانعقاد الجلسة. وأوجب هذا الأمر، آنذاك في زمن الحرب، مجازفة خطيرة هي محاولة اغتيال النائب حسن الرفاعي لخفض النصاب القانوني الى ما دون 62 نائباً. والذين يتذكرون أبعد من ذلك أن العميد ريمون إده ترشّح ضد الرئيس فؤاد شهاب عام 1958 من أجل ألا يفوز بنصاب الثلثين في الدورة الأولى وبإجماع الحاضرين في ظل الأسطول السادس الأميركي.

كل ذلك يقود الى خلاصة واحدة مفادها أن أي خوض في انتخاب خلف للحود ينبغي أن ينطلق من حقيقة ثابتة، إلا إذا تخلى أحد الطرفين عن تصلبه، هي أن انتخاب الرئيس الجديد سيكون من الدورة الأولى للإقتراع بغالبية الثلثين. ومجرد التئام الثلثين لافتتاح جلسة الإنتخاب يعني أن ثمة تسوية قد أبرمها طرفا النزاع، احد اجزائها اسم رئيس الجمهورية.

في حصيلة الجولة الخامسة ثمة اتجاهان سيسلكهما الملف الرئاسي: أولهما طي الموضوع حتى إشعار آخر. وفي أبسط الأحوال، من غير أن تسمي الغالبية مرشحها أو مرشحيها، فإن الفريق الشيعي سيتصرّف على أنه غير معني بانتخابات رئاسة الجمهورية وحمل الرئيس الحالي على التنحي لأنه لم "يقتنع" بخطوة لا يزال يرفضها. أضف أن ترشيح العماد عون يجعل الفريق الشيعي أقرب الى وضعه في رأس لائحة الخيارات المتاحة أمامه. وفيها إسم آخر أيضاً.

وثانيهما أن المشاورات الجانبية التي أمهل أفرقاء الحوار أنفسهم لاجرائها من الآن حتى موعد الجولة السادسة، تعني أن بت هذا الملف لا يقتصر عليهم وحدهم، وإن عليهم التعويل على مؤازرة عربية من خلال مبادرة تدخل الزيارة المتوقعة للرئيس المصري حسني مبارك لدمشق في إطارها ما دام لسوريا، حتى اليوم، دور فاعل ليس في دعم بقاء حليفها الرئيس اللبناني في الحكم فحسب، وإنما أيضاً في جعل كل القرارات التي اتخذها مؤتمر الحوار الوطني في جولاته الثلاث الأولى حبراً على ورق.