لا وجود لأسرار في لبنان، ولا حاجة الى التذاكي في قضايا معيّنة، ذلك أن الأمور واضحة، بل أنها في غاية الوضوح. هناك انقسام في البلد بين أكثرية ساحقة تريد التطلع الى المستقبل وأقلية مدعومة من الخارج ومموّلة منه تصرّ على بقاء لبنان مجرّد "ساحة" للنزاعات الأقليمية... أو أقله أمتداداً للحلف الأيراني- السوري الذي يمرّ بالعراق أو لنقل بجنوب العراق في حال كان المطلوب مزيداً من الدقّة. في كلّ الأحوال، هناك في لبنان صوت واحد يقول هذه الأيام الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة ويسمي الأشياء بأسمائها. أنه صوت وليد كمال جنبلاط الذي أكتشف أخيراً أن ليس أمامه سوى خيار قول الحقيقة كما هي من دون مواربة.

ربما يفعل ذلك لأن الحكم بالتخلص منه، أو على الأصحّ بتفجيره على طريقة تفجير رفيق الحريري قد صدر وأن أيامه صارت معدودة، فأختار قول الحقيقة وعرضها على اللبنانيين والعرب على طريقة: قل كلمتك وأمش. ربّما سيُستخدم مع وليد جنبلاط أسلوب آخر هو أسلوب القنص بعدما كشف أسلوب التفجير هوية الذين أغتالوا رفيق الحريري، أو على الأصحّ الجهة التي تقف وراء هذه الجريمة البشعة التي يمكن وصفها بانها جريمة العصر.

في ظهور تلفزيوني أستمر ثلاث ساعات مع الزميل مرسيل غانم، لم يتردد وليد جنبلاط يوم الخميس الماضي في قول الأمور كما هي من دون لبس أو أي نوع من التحفظات. وأرتبط أهم ما قاله بوضع الأزمة اللبنانية في أطارها الأقليمي، وهو أطارها الحقيقي نظراً الى ان الخلافات اللبنانية- اللبنانية لا معنى لها خارج هذا الأطار. تحدّث وليد جنبلاط صراحة عن رأيه في النظام السوري والطريقة التي يجب أن ينتهي بها، خدمة لسوريا والسوريين، وعن رأيه في الدور الأيراني في المنطقة. كان جارحاً بمقدار ما أن الحقيقة تجرح، خصوصاً عندما تكون مدعومة بوقائع معيّنة لا يمكن تجاهلها في أي شكل. ولعلّ الأنجاز الأكبر الذي حققه من يُعتبر عن حقّ زعيم أحدى أهمّ الطوائف في لبنان، وهي طائفة ذات أمتدادات في سوريا وفلسطين والأردن، تنبيه اللبنانيين الى أن الملاسانت التي شهدتها الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء بين رئيس الجمهورية وعدد من الوزراء لا معنى لها. أنها من النوع الذي لا يقدّم ولا يؤخّر، بأستثناء أنها تحطّ من قدر رئيس الجمهورية الذي لا يحتاج الى الحط من قدره بعدما بلغ الدرك الذي بلغه محطّماً كلّ الأرقام القياسية في هذا المجال. في ختام المطاف يظل السؤال الذي له معنى: هل يبقى لبنان أسير اللعبة الأقليمية أم يتحرر منها. هل يظل مجرّد أداة في هذه اللعبة الأقليمية أم يُسمح له بالتنفّس بغية أستعادة بعض من عافيته؟ ذلك هو التحدي الأوّل أمام اللبنانيين الذين يدفعون غالياً ثمن تحوّل بلدهم رهينة في لعبة أكبر منه. أنه تحدّ يستهدف أخراج لبنان من الفخ الذي قاده اليه نظام الوصاية الذي تعمّد تحميل لبنان عبء المواجهة مع أسرائيل في وقت يتهرّب منها الآخرون على رأسهم سوريا-النظام. هل هناك من سمع عن رصاصة أطلقت من الجولان منذ التوصل الى أتفاق فك الأشتباك بي سوريا وأسرائيل أوائل العام 1974 باشراف وزير الخارجية الأميركي وقتذاك الدكتور هنري كيسينجر؟

تصرّف وليد جنبلاط من منطلق أنه "رجل ميت لا يزال يسير على قدميه" على حد وصف مجلة "نيوزويك" الأميركية. وكونه في هذا الوضع الذي لا يحسد عليه، جعله يقول ما لا يتجرأ غيره على قوله، بما في ذلك اعترافه بأخطاء أرتكبها في الماضي بما في ذلك تصديقه الشعارات التي كان يطلقها القومجيون والمتاجرون بالعرب والعروبة. هناك غيمة أنقشعت وصار الرؤية لدى وليد جنبلاط صافية كلّ الصفاء. صار الرجل في وضع يسمح له بالتساؤل ماذا يفعل السلاح الفلسطيني في لبنان وما هي الحاجة اليه. وكان في غاية الوضوح عندما حدّد مسلّحاً بالخرائط مواقع "الجبهة الشعبية-القيادة العامة" التي يتزعمّها السيد أحمد جبريل الضابط السابق في الجيش السوري والخبير في المتفجّرات. لماذا هناك قواعد لهذه الجبهة خارج المخيّمات خصوصاً عند مدخل بيروت؟

لماذا تحتفظ الجبهة بصواريخ يمكن أستخدامها لوقف الحركة في مطار بيروت الدولي؟ كيف يمكن لهذا السلاح المساهمة في تحرير فلسطين أنطلاقاً من المواقع الموجود فيها؟ وأخيراً لماذا هناك هذا الوضع الشاذ في لبنان، في حين ترفض الدول العربية الأخرى بما فيها سوريا أي وجود مسلح للقوى غير الشرعية على أراضيها؟ ما هذا الظلم الذي يصرّ الأخوة العرب على ألحاقه بلبنان ومن أجل أي هدف يحصل ذلك؟

منذ أغتيال رفيق الحريري، لعب وليد جنبلاط الدور الأهم في كشف حقيقة "حزب الله" ووضع قضية الحزب في الأطار الحقيقي الذي يجب أن توضع فيه من منطلق مصلحة لبنان لا أكثر ولا أقلّ. لم يتردد في أزالة الهالة التي حاول كثيرون اضفاءها على هذا الحزب المذهبي الذي لا يمكن الآ الأنحناء أمام كل شهيد قدّمه في معركة التحرير التي أنتهت عملياً في العام 2000 لقد لعب وليد جنبلاط الدور الأساسي في وضع النقاط على الحروف وجعل المواطن الذي يتمتع بحدّ أدنى من الذكاء يفرق بين ما هو وطني وبين ما يصبّ في النهاية في مصلحة لا علاقة لها بمصلحة لبنان والعرب عموماً.

ولأن كلام وليد جنبلاط مهمّ وحقيقي، أضطر السيد أحمد جبريل الأمين العام ل"الجبهة الشعبية –القيادة العامة" للمجيء الى بيروت وعقد لقاء مع النائب سعد الحريري رئيس كتلة " تيار المستقبل". معروف من دفع جبريل الى المجيء الى بيروت. ومعروف جيّداً أن الهدف من لقاء نجل رفيق الحريري أيجاد شرخ بينه وبين وليد جنبلاط. انها الاعيب ومناورات من الماضي. لماذا؟ لأن كل لبناني يعرف ألف باء السياسة على علم بتاريخ أحمد جبريل ومدى أرتباطه بالأجهزة السورية. هذا ليس عيباً، العيب أن يقبل أحمد جبريل الذي لا يمكن لعاقل تجاهل أهميّة العمليات التي قام بها ضد العدو الأسرائيلي في الماضي، أن يستخدم مرّة أخرى في الأساءة الى لبنان الذي قدّم كل ما يستطيع تقديمه من أجل القضية الفلسطينية.

كفى مزايدات على لبنان واللبنانيين، في حال كان أحمد جبريل يريد التكفير عن ذنوبه بعد كلّ ما أرتكبه في حقّ لبنان، خصوصاً عندما أشرف شخصياً على تفجير فنادق بيروت الواحد تلو الآخر في العام 1976 ،عليه أن يعلن أمام سعد الحريري أو فؤاد السنيورة رئيس مجلس الوزراءأن مسلحيه سيخرجون من لبنان، خصوصاً من منطقة الناعمة القريبة من بيروت حيث لا شغل لهم سوى الأساءة الى اللبنانيين واهل المنطقة والمساهمة في تهديد السلم الأهلي... بحجة مواجهة أسرائيل.

أستطاع وليد جنبلاط كشف كلّ الأقنعة. كشف بالأسماء والوقائع من قتل والده في العام 1977 وكشف حقيقة الوضع في لبنان هذه الأيام. ولعلّ أهم ما قاله أن النظام السوري يستطيع الأستفادة من لبنان المزدهر المستقر بدل ذلك الأصرار الذي يبديه على الرغبة في تدمير البلد. لماذا لا تكون هناك قراءة سورية متأنية لكلام وليد جنبلاط؟ هل هناك رفض مسبق لما يقوله كونه بدأ منذ سنوات يتّبع نهجاً مستقلاً واستقلالياً؟ في الواقع، أن كلام وليد جنبلاط يخدم سوريا ولبنان في آن. أنه دعوة الى تجاوز عقد الماضي والأقتناع بأن لبنان القوي المزدهر أفضل خدمة يمكن أن تقدّم لسوريا هذه الأيام. هل في دمشق من هو على أستعداد لتقبل الواقع الجديد بين البلدين وأقامة علاقات بينهما على أسس مختلفة عن الماضي تريحهما معاً؟ المؤسف أن ليس هناك من هو على أستعداد لذلك، أقلّه الى الآن، لا لشيء سوى لأن ليس هناك من يريد الأقتناع بأن الحقد ليس سياسة ولا يمكن أن يكون أساساً لسياسة وأن الخطأ لا يمكن أصلاحه بخطأ آخر. وعلى الرغم من اليأس الذي يصاب به الأنسان العربي هذه الأيام، لا بدّ من تكرار أن الكلام السوري عن أخطاء أرتكبت في لبنان ليس كافياً وأن المطلوب العمل على أصلاح هذه الأخطاء وليس العودة الى السياسات القديمة بما في ذلك أرسال أحمد جبريل الى لبنان في محاولة لعزل وليد جنبلاط. الخطوة الأولى على طريق أصلاح الأخطاء تكون بقبول ما يقوله وليد جنبلاط والأستفادة من كلامه. هل كثير أن يطلب ذلك من المسؤولين، كلّ المسؤولين في دمشق. هل كثير أن يطلب منهم أستيعاب الكلام الذي يؤدي الى مقاومة المشروع الأسرائيلي بالأفعال وليس بالكلام والشعارات الطنانة على غرار ما فعلت أخيراً تلك الجيف التي أجتمعت قبل أيام في بيروت تحت شعار مؤتمر دعم المقاومة!