لعل السؤال الأهم الذي طرح نفسه منذ دعوة عبد العزيز إلى حوار أميركي إيراني حول العراق، بل لعله مطروح منذ أكثر من عامين، هو لماذا يغيب الحوار العربي الإيراني حول العراق، إلى جانب السؤال المتعلق بما يشبه الغياب العربي عن الكثير من محطات وتفاصيل الأزمة العراقية، وهي الحقيقة التي لم يغيرها حوار القاهرة الذي جاء بمباركة أميركية، ربما على خلفية شكاوى عربية من تأثير إيراني واسع في الشأن العراقي؟

لكي نصل إلى نتيجة إيجابية لا بد من تجاوز الواقع القائم والذهاب نحو أفق مختلف من خلال حوار يأخذ في الاعتبار المصالح العربية والإيرانية في آن، من دون وضع الأميركيين على الطاولة كشركاء في الحوار، وهو ما لن يحدث في واقع الحال إذا لم يتجاوز الوضع العربي عقدة الخوف من واشنطن، ويدرك ما سبق أن أدركه الإيرانيون من قبل ممثلاً في حقيقة الأزمة التي يعيشها المحافظون الجدد وإمكانية التمرد على إملاءاتهم.

قبل الحديث في هذا الجانب لا بد من التعرض إلى القواسم المشتركة بين العرب والإيرانيين التي يمكن أن تكون مقدمة بل قاعدة للحوار بين الطرفين، وهي قواسم كبيرة في واقع الحال إذا ما تم تجاوز التفاصيل الصغيرة والحساسيات العابرة.

لا نعني هنا القواسم المشتركة المتعلقة بالعراق وحده، بل بمختلف ملفات المنطقة التي تؤثر فيها من دون شك تطورات الملف العراقي. وهنا يمكن الحديث عن جملة من تلك القواسم

هناك ابتداء توافق بين العرب وإيران على ضرورة عدم السماح بنجاح المشروع الأميركي في العراق، بصرف النظر عن أية تفاصيل أخرى، والسبب هو أن كلاهما مستهدف، وحين تحدث الأميركيون عن إعادة تشكيل المنطقة، كانت إيران حاضرة، وكذلك حال الوضع العربي، لاسيما محاوره الأساسية. وفي العموم فإن إفشال المشروع الأميركي في العراق كمقدمة لتحجيم النفوذ الدولي والإقليمي للولايات المتحدة هو مصلحة مؤكدة للإيرانيين والعرب وللعالم أجمع.

هناك ما يتعلق بالمسألة الفلسطينية، إذ يتوافق العرب والإيرانيون على ضرورة أن يواصل الفلسطينيون صمودهم في مواصلة سياسة الإملاء أحادية الجانب من الطرف الإسرائيلي، وهي سياسة تعتمد في واقع الحال على انحياز أميركي سافر للإسرائيليين، إضافة إلى تراجع في المواقف الدولية وحتى العربية. وفي حين يتوفر بعض الخلاف حول التفاصيل المتعلقة بالفصائل والقوى الفلسطينية، إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة الاتفاق على ضرورة أن لا يفرض مزيد من التراجع على الفلسطينيين. هناك توافق عربي إيراني على ضرورة أن لا يقع لبنان أسير التجاذبات الدولية؛ تحديداً لعبة الهيمنة الأميركية الفرنسية، والنتيجة هي أن روح اتفاق الطائف ما تزال مشتركاً بين الطرفين الإيراني والعربي، من دون أن يعني ذلك اتفاقاً كاملاً حول التفاصيل الصغيرة.

هناك توافق عربي إيراني أيضاً على الحيلولة دون وقوع سورية في قبضة اللعبة الأميركية الرامية إلى جعلها جزء من محاولات تعويض الفشل في العراق، أكان بحصارها من الخاصرة اللبنانية، أم من خلال مزيد من الضغوط المتعلقة بالتحقيق حول اغتيال الحريري، وصولاً إلى العقوبات الدولية الرامية إلى إسقاط النظام.

هناك توافق عربي إيراني حول ضرورة عدم السماح بنشوء صراع مذهبي (سني - شيعي) في المنطقة، وهو نزاع بات واضحاً أن الأميركيين لا يستبعدوه، بل ربما فضلوه كنتاج لتفضيله إسرائيلياً، وكرد على الفشل في العراق، وبالطبع من أجل معادلة فوضى شاملة في المنطقة تتيح للإسرائيليين التحكم بها بشكل من الأشكال.

من العبث أن يعتقد البعض أن نزاعاً من هذا النوع يمكن أن يفيد إيران بدعوى توفر أقليات شيعية في السعودية والخليج، أو لأن الشيعة غالبية في العراق، ليس فقط لأن إيران دولة لها مصالحها أكثر من كونها ممثلة مذهب من المذاهب، ما يعني أنها تدرك حقيقة أن الخسارة ستكون مؤكدة تبعاً لكون الغالبية الساحقة من العرب والمسلمين هم من السنة، بل أيضاً لأن النعرات والعصبيات القابلة للإثارة ما تزال متوفرة بقوة عند الإيرانيين، لاسيما بالنسبة لعرب الأهواز الذين تتقدم عصبيتهم القومية على مذهبيتهم، فضلاً عن السنة والأكراد. أما الأهم فهو أن شيعة السعودية والخليج لن يتحركوا بالضرورة بناء على معطيات خارجية تضر بأوضاعهم الداخلية، لاسيما في ظل غياب أفق إيجابي لتحركاتهم في حال سادت لعبة التجييش الطائفي واستفحلت في ظل صعود للمد الديني في المنطقة برمتها. والخلاصة هي أن نزاعاً مذهبياً سيترك تداعيات سيئة على الإيرانيين وعلى المنطقة العربية برمتها، ما يعني أن الخسارة ستطال الجميع بصرف النظر عن مآل الأحداث.

ربما قيل إن المشروع النووي الإيراني سيكون موضع خلاف بين العرب والإيرانيين، أكان تبعاً لحسابات ميزان القوى، أم لحسابات أخرى تتعلق بالبيئة وسواها، فضلاً عن خلافات حول قضية الجزر مع الإمارات. وهو قول صحيح، لكن الأمر لا يبدو بذلك المستوى من الأهمية، أكان فيما خص قضية الجزر، أم بالنسبة للقدرات النووية، والسبب هو أن ثبوت معادلة السلاح النووي الإيراني لن يتم سريعاً، وإذا تم فإنه لن يشكل تهديداً حقيقياً للدول العربية ضمن المعادلة الدولية القائمة، وحتى المتوقعة أيضاً بعد تراجع النفوذ الدولي للولايات المتحدة، لاسيما وأن الحصول على قوة كهذه لن يكون صعباً على بعض الدول العربية بعد تراجع الحظر الدولي على امتلاكها.

تبعاً لذلك كله يمكن القول إن ثمة إمكانية للحديث عن توافق عربي إيراني حول العراق يبدأ بتغييب مسألة التقسيم من الأجندة العراقية، وهي مسألة قابلة للتوافق تبعاً لتأثيراتها السلبية على إيران لجهة تعميم لعبة التفتيت التي يمكن أن تطالها، لاسيما وأن الأكراد سيستقلون، ما سيثير شهية أكراد إيران وتركيا وسوريا، فضلاً عن تحرك متوقع للسنة في ظل دعم سيتدفق عليهم، والأهم على عرب الأهواز من أجل البحث عن الاستقلال، إضافة إلى أن كياناً عراقياً شيعياً في الجنوب لن يكون بالضرورة في جيب إيران تبعاً لحساسيات العرب والفرس التي ما تلبث أن تثور بعد قليل من الوقت، وهي موجودة وكامنة مثلما يعرف المعنيون.

نأتي هنا إلى سياق التفاهم العربي الإيراني حول العراق، والذي يبدأ من النقطة السابقة المتعلقة برفض التقسيم والفيدرالية كمقدمة طبيعية له. ثم هناك التوافق على رفض مبدأ المحاصصة الطائفية، وتبعاً له مقولة الأقلية والأغلبية، لاسيما بعد أن أثبتت الانتخابات الأخيرة وبالمقارنة مع سابقتها أن لا صحة للأرقام المتداولة بشأن الطوائف والأعراق، لأن العرب السنة والأكراد والتركمان السنة يساوون نصف السكان، فيما لا يقل العرب السنة وحدهم عن ثلاثين في المئة بحال من الأحوال. أما الأهم فهو حقيقة الانصهار بين الطوائف والمذاهب، حيث أشارت دراسة لعلماء اجتماع عراقيين نشرت نتائجها مؤخراً أن 26 في المئة من العائلات العراقية مختلطة، ولا تسأل بعد ذلك عن الاختلاط داخل المدن، فضلاً عن توزع الثروات من نفط ومياه بين المناطق.

في ضوء ذلك كله تبدو إمكانات التفاهم العربي الإيراني كبيرة، لكن ذلك سيبقى في حاجة إلى تفاهم مصري سعودي سوري يدير الحوار، وقبل ذلك إلى قدر من الاستقلالية في الموقف تأخذ في الاعتبار عبثية القول باستفراد واشنطن بالمشهد الدولي

بعد ذلك يمكن أن تتحرك الجهود في اتجاه الداخل العراقي بدعم حوار بين القوى الفاعلة على قاعدة إخراج قوات الاحتلال كمقدمة لتوافق وطني على إحصاء سكاني ومن ثم قانون انتخابي يعزز الوحدة ويرسخ العدل. وما من شك أن مساراً كهذا هو الكفيل بالحفاظ على وحدة العراق وحقن دماء العراقيين وتحقيق المصالح العليا لهم، إضافة إلى الحفاظ على مصالح إيران والدول العربية والحيلولة دون نزاع مذهبي يضر بالإسلام والمسلمين إنه الحوار الذي ينبغي أن تتحرك على قاعدته المحاور العربية الرئيسة، أما ترك العراق للتجاذب الأميركي الإيراني وبما ينطوي على دفع بعض القوى العربية السنية إلى أحضان المحتلين فلن يصب في صالح الطرفين العربي والإيراني، لا فيما يتعلق بالعراق، ولا فيما يتعلق بسائر المنطقة