منذ أيام تناول بعض ائمة وخطباء المساجد في دمشق، خلال خطبهم في اثناء صلاة الجمعة «تمسك سورية بمواقفها الوطنية والقومية» و بأن «الأمتين العربية والإسلامية مطالبتان اليوم بوقفة واحدة لدعم القضايا العادلة», وفي ما يخص المعارضة السورية في الخارج قالوا ان «العملاء والمأجورين الذين باعوا الوطن واستقووا بالخارج سيلفظهم التاريخ ولن ترحمهم أمتهم وشعوبهم».

طبعا ذلك كله يبدو طبيعيا، أي وقوف هؤلاء الخطباء الى جانب السياسة الرسمية ما داموا يتلقون رواتبهم الشهرية من وزارة الأوقاف في الحكومة السورية، إذ من غير الممكن أن يذهبوا بعيدا في مواقف سياسية تختلف مع السلطات التي سمحت لهم باعتلاء المنابر، لكن ما هو لافت الاتكاء الكبير للنظام العلماني في سورية على الاسلام ورجال الدين في مواجهة ما يتعرض له من ضغوط خارجية,

وللحقيقة، فإنه ومنذ الاحتلال الاميركي للعراق عملت دمشق على انتهاج سياسية مزدوجة تجاه الإسلاميين، حين قامت بتشجيع واحتضان التيارات المعارضة للوجود الاميركي في المنطقة، في الوقت ذاته الذي تصدت فيه أمنيا لجماعات وسمتهم «بالتكفيريين»، إذ خاضت قوات الأمن نحو عشر مواجهات معهم في مناطق مختلفة مثل ريف دمشق وحماه وحلب والحسكة ومعرة النعمان في إدلب, وخلال تلك المواجهات برز اسم تنظيم «جندالشام» وأتباعه حسب السلطات السورية، هم مجموعات مسلحة «تكفيرية» و«إرهابية» غالبا ما ضبط بعض أعضائها، وهم يخططون للقيام بأعمال عنف في بعض المدن السورية, لكن رغم ذلك لم تتضح حقيقة هؤلاء وحجمهم وبناؤهم التنظيمي، خصوصا أن بيانا لم يصدر عنهم يوضح ردهم على الادعاءات الرسمية، كذلك لم نعرف أن لهم عنوانا أو زعيما أو موقعا الكترونيا أسوة بما درجت عليه بعض المجموعات الإرهابية مثل تلك التي تنشط في العراق.

وفي موازاة ذلك شجعت السلطات السورية شخصيات ورموزا إسلامية تمثل التيارات المعتدلة والوسطية، مثل أحمد بدر الدين حسون، الذي عينته العام الماضي مفتيا للجمهورية، وعضو مجلس الشعب السوري محمد حبش إلى صلاح الدين كفتارو رئيس مجمع أبو النور الذي يحتضن الآلاف من طلبة العلوم الشرعية, وتنطلق دمشق في دعمها لهذه الاتجاهات وممثليها، من حقيقة أن المجتمع السوري بالأصل هو مجتمع معتدل لا يميل الى التطرف، عدا عن كونه مجتمعا يزخر بالتشكيلات الاجتماعية والطائفية والثقافية المتنوعة وغالبية من هذا الطيف تشعر بخشية جراء النمو المتصاعد للإسلاميين في المنطقة.

فسورية مثلها مثل بقية دول الشرق الأوسط تشهد تناميا، لافتا للتيارات الإسلامية، الأمر الذي يرخي بظلال قلقة على العلمانيين وأبناء الأقليات من الطوائف الأخرى، لكن السلطات الأمنية تلاحق أي تطلعات لهؤلاء الإسلاميين نحو العمل السياسي، وحسب مسودات قانون الأحزاب المرتقب، التي نشرتها بعض وسائل الاعلام، سوف لن يسمح بتأسيس أي حزب على أسس دينية أو طائفية أو عرقية, وكما هو معروف يحكم القانون 49 لعام 1981 بالإعدام على أي سوري يتثبت تورطه بالانتساب لتنظيم الإخوان المسلمين.

ورغم أن سورية يحكمها حزب علماني هو حزب البعث، بمشاركة نحو عشرة أحزاب قومية ويسارية وناصرية ضمن ائتلاف هو «الجبهة الوطنية التقدمية» إلا أن تغييرا في النظرة إزاء الدين بدت تسم سلوكيات المسؤولين السوريين في الاعوام الثلاثة الاخيرة, ففي شهر اكتوبر الماضي اعتبر الرئيس بشار الأسد خلال خطاب قوي اللهجة من على مدرج جامعة دمشق تحدى خلاله الضغوط الخارجية أن «سورية الله حاميها», وما هي إلا أيام قليلة حتى عملت شركات الإعلان الطرقية على نشر هذه العبارة من خلال لوحات عملاقة في شوارع متعددة من دمشق والمحافظات السورية وبجانبها صور للرئيس الأسد, كذلك راح بعض سائقي سيارات الأجرة بلصق العبارة على زجاج سياراتهم.

وضمن هذه المناخات نذكر كيف قام إسلاميون سوريون بحرق مبنى السفارة الدنماركية في دمشق منذ نحو شهرين احتجاجا على رسوم كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد من دون أن تستطع السلطات الأمنية كبح جماحهم وهي المعروف عنها خبرتها ومقدرتها الأمنية. وأيضا وفي أوائل شهر مارس الفائت احتضنت العاصمة السورية مؤتمرا للأحزاب العربية ضم العديد من الأحزاب الإسلامية في الوطن العربي التي تعارض سياسات الولايات المتحدة الاميركية في المنطقة. ومنذ أيام وللمرة الأولى في تاريخ حزب البعث «العلماني» يقوم الجيش السوري بدعوة رجال دين مثل محمد حبش رئيس مركز الدراسات الاسلامية في دمشق لإلقاء محاضرات عن الإسلام، في إطار سلسة من المحاضرات التثقيفية للضباط رغم أنها لم تخل من دعوة مثقفين يساريين أمثال الطيب التيزيني وليبراليين مثل أستاذة الاعلام في جامعة دمشق فريال مهنا.

في السياق ذاته، طوت السلطات السورية أخيرا قرارا لمدير اوقاف دمشق كان يحتوي عدداً من القيود على الاسلاميين بينها عدم فتح المساجد بين اوقات الصلاة وعدم رفع صوت المؤذن في اذان الفجر والعصر ومنع اقامة الدروس الدينية وخفض عدد دروس القرآن من كونها يومية الى اجرائها مرة او مرتين في الاسبوع, ويبدو حسب مراقبين أن دمشق وفي ظل المتغيرات التي يشهدها الشارع داخليا وإقليميا، إذ النمو المتزايد للاسلاميين، باتت تفضل انتهاج سياسات براغماتية مع جمهورها تهدف الى التماهي معه وإبلاغه بأنها قريبة منه وتعبر عن طموحاته وتلتقي معه في التصدي «لعدو وخطر واحد» هو الخطر الخارجي الآتي من «الغرب» سواء مثّل هذا الغرب احتلالا أم مشاريع تهدف الى زعزعة الاستقرار أو افكارا غايتها التعدي على الاسلام وقيمه وتراثه, طبعا لا يمكن للسطات السورية أن تنتهج سياسة مناقضة لذلك لأن من شأن ذلك أن يحمل معه محاذير وأخطاراً أولها التطرف، وهي عانت ما عانت بسببه، وخسرت ما خسرت جراء تصديها له في الماضي,

وكما أسلفنا فقد وجه الجيش السوري دعوة أخيرا لرجل دين مثل عضو مجلس الشعب محمد حبش الذي قال في ورقته ان «الفهم العروبي لا يتناقض مع الفهم الاسلامي في بناء سورية الحديثة ولا يوجد سبب لاشتراط غياب احد الرافعين الروحيين: العروبة والاسلام», إن ذلك يبدو طبيعيا اليوم، لكن ما هو غير طبيعي أنه يحصل للمرة الأولى في تاريخ «جمهورية البعث» العلمانية، التي اعتادت أن تنتهج سياسة «الدين لله والوطن للجميع», ولم تنته القصة هنا فرجل الدين هذا ـ ورغم أن السلطات السورية ستحظر في قانون الأحزاب المنتظر أي حزب يقوم على اسس دينية ـ استطاع أن يمرر في محاضرته ان «الحركة الاسلامية تريد فرصتها خصوصاً بعد الاغراء الذي وفره صعود «حماس» في فلسطين والمقاومة في جنوب لبنان والصعود الاسلامي في مصر والعراق», من «الدين لله والوطن للجميع» الى «سورية الله حاميها» ثمة شيء ينقلب ويتغير في سورية, المهم ألا يتغير السوريون المتنوعون والمتعددون.