اذا كان صحيحا ان جلسات الحوار الوطني قد علّقت فقط بسبب "اضطرار" رئيس مجلس النواب نبيه بري الى السفر وارتباطه بمواعيد في ايران وتركيا وقرب حلول عيد الفصح، فان ما قيل عن سفر وليد جنبلاط الى واشنطن عقب الجلسة الاولى، يمكن ان ينسحب على "سفرة" بري وقد انحى كثيرون باللائمة آنذاك على جنبلاط وبعضهم اتهمه بتعطيل الحوار علما انه كلف من ينوب عنه وكان الوزير غازي العريضي ولم يعلق الحوار بسبب سفره. بيد ان العكس يمكن ان يكون صحيحا، لعل بري تعمّد السفر مساهمة منه في "تقطيع" الوقت وتبرير "دفع" جلسات الحوار من "أول" نيسان الى آخره. ومثل هذا الاعتقاد يتسم بالواقعية. فالقصة اكبر بكثير وابعد من طهران واسطنبول. انها قصة مناخ دولي ومستجدات على غير صعيد اقليمي ودولي. ويبدو ان عبارة "صنع في لبنان" التي ارتبطت بالحوار المفاجئ باتت تتطلب بعض التدقيق. وهي على كل حال ليست بالفكرة السيئة، مثلها مثل "الحوار الوطني" ولكن في الوقت نفسه من المكابرة تجاهل ارتباط الحوار بالمناخ المشار اليه وهو هذه المرة مناخ اميركي – ايراني – سوري.

وبعيدا من اي تعقيد، واستنادا الى اكثر من اشارة في وسائل الاعلام الاميركي ولاسيما منها عدد من كبرى الصحف اليومية والمجلات المعروفة برصانتها والتي بدأت تتحدث عن "خجل" اميركي من استمرار احتلال العراق – وبديهي ان يكون مصدر هذا الخجل ما آل اليه الوضع منذ الاجتياح الاميركي وما يرافقه من اعمال قتل جماعية وفظائع وحروب طائفية في مواجهة اصرار غالبية العراقيين على التبرؤ منها - واستنادا الى مواقف دولية رصينة ابرزها للرئيس الفرنسي جاك شيراك، فان من غير المبالغة ربط مصير الكثير من العقد في لبنان وحلها، بحوار اميركي – ايراني – سوري يجري باشكال مختلفة مباشرة وغير مباشرة. وليس من باب المصادفة ان يقول الرئيس شيراك عقب استقباله اخيرا في باريس العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني "ان تطبيع العلاقات بين لبنان وسوريا امر اساسي" مع التأكيد ان هذه العلاقات "يجب ان تكون ضمن اطار سيادة لبنان واستقلاله وعدم التدخل في شؤونه الداخلية". الامر اذاً يتطلب بعض التريث. ولم يكن من المصادفة "دفع" الحوار "الآخر" الداخلي الى آخر نيسان. ربما سيتعيّن على بعض المتحاورين قريبا اعادة النظر في خطابهم السياسي ولا سيما في شقه "السوري" او "الاميركي"، وذلك من باب التحوّط وتجنباً ليوم يطلب فيه منهم الحد من "الغلو" في خطابهم، ولطالما طلب المسؤولون السوريون من بعض "الحلفاء اللبنانيين" في زمن الوصاية ان خففوا من اندفاعتكم فنحن لا نريد اكثر!

وليس سرا ان بعض اللبنانيين يذهب في "حبّه" للاجنبي والخارجي، القريب والبعيد، الشقيق والصديق، اكثر بكثير مما يريده "اصحاب العلاقة" انفسهم! ومن المعروف ان لبنان منذ ما قبل استقلاله بكثير، لم يعش حقبة خلت من التدخلات الخارجية ولاسيما في المفاصل المهمة. وتشهد على هذا الواقع روايات ووقائع تمتد الى التاريخ البعيد. وفي وقائع من كتاب الدكتور منير اسماعيل "لبنان في السياسات الاوروبية 1840 – 1860" فان لبنان لم يشهد حوارا وطنيا بعيدا من المؤثرات الخارجية. وقد استمر الامر كذلك في زمن السلطنة العثمانية وعهد المتصرفية، وصولا الى الحقبة المصرية الناصرية اواخر الخمسينات حتى اواخر الستينات، وانتهاء بالحقبة السورية، مع عدم تجاهل حقبة اسرائيلية عدوة تمثلت بابشع اجتياح عسكري وحشي ربما في العصر الحديث قبل الاجتياح الاميركي للعراق. وعلى مر التاريخ لم يكن ممكنا تجاهل مسؤولية ما للبنانيين في ازمنة الوصاية الخارجية...

ولعل في الكثير من التحركات السياسية والحزبية المستجدة في الداخل ما يوحي "جواً" جديدا مختلفا على الصعيد الاقليمي – الدولي. وهذا التحرك وإن اعتبره البعض في محطات مماثلة تنفيذا لـ"امر عمليات سوري" نظرا الى ان الناشطين فيه من مؤيدي سوريا او حلفائها او ممن ينفذون سياستها في لبنان ايا تكن، فانه - اي التحرك – يعكس هذه المرة جوا حقيقيا ويستند اصحابه الى قراءة جديدة للتطورات ساهمت الى حد كبير في "انعاشهم" سياسيا.

وفي رأي اكثر من مرجع سياسي لبناني ان "اولوية اميركا الآن في العراق". وفي معلومات احد هذه المراجع ان "اميركا تريد شيئا ما من سوريا وهي في حاجة اليها". فما هو هذا "الشيء" يا ترى؟

يقول: "ان واشنطن تريد ان تنفذ عملية اعادة انتشار واسعة للقوات الاميركية توطئة ربما لانسحاب لاحق، وهي لا تستطيع ذلك دون ان تحل مكانها قوات عربية مشتركة لا تستقيم بدون سوريا التي لها حدود طويلة مع العراق، ونظرا الى الاعتبارات اللوجستية للقوة المشتركة ولمكانة سوريا في الساحة العربية كونها من "دول الطوق" التي لم توقع معاهدة سلام مع اسرائيل، ويهم اميركا ان تكون الى جانبها دولة "ذات غالبية سنية" – وفق تعبير المرجع استنادا الى المنطق الاميركي – وعندما كانت سوريا عرضة للضغوط الاميركية والدولية الشديدة وفي عزلة شبه تامة هددت مصيرها السياسي ومستقبلها انقذتها ايران. اذاً، سوريا لا تستطيع ان تدخل ضمن قوة عربية مشتركة في العراق دون التنسيق مع حليفتها ايران. وهناك محادثات هذه الايام بين واشنطن وطهران حول العراق تحديدا. فاذا تم التفاهم وتأمين غطاء ايراني لدخول سوريا ضمن قوة عربية، فان علاقة دمشق بواشنطن ستتبدل كليا وجذريا، ومعها سيتبدل الكثير من المعطيات والرهانات.

واخيرا لا آخرا، ومع تفاهم اميركي – ايراني – سوري، لا يعود تطبيع العلاقة اللبنانية – السورية صعبا، ومعه لا يعود التفاهم صعبا على اي عنوان حتى وإن تعلق بمصير رئيس الجمهورية او بمستقبل سلاح المقاومة.

هل ينتظر المتحاورون "المفاتيح" التي سجلت اولى اشاراتها عبر الحدود اللبنانية – السورية قبل ايام؟

ماذا بين اول نيسان وآخره؟ طبعا غير "السفر" وعطلة الفصح!