ذات مرة جاء محمد الماغوط الى باريس. وذهبنا، الزميل شكري نصر الله وانا، لاستقباله في المطار. وقد كان يرتعب من جهله الفرنسية. رافقناه الى الفندق. وملأنا عنه استمارة الغرفة. وقررنا ان نودعه. لكنه استوقف شكري، قائلاً: «ارجوك. اتصلّ بالفندق غداً في العاشرة وقل لهم ان يحملوا الفطور الى غرفتي». وقال له شكري:«ولو، يا محمد، الا تعرف كيف ترفع السماعة وتقول، كافيه؟». اجاب الماغوط: «طيب خيّو. رفعنا السماعة وقلنا كافيه. وقرر الموظف ان يخفف دمه ويقول: بونجور مسيو. ايه شو منجاوب؟».

حوَّل محمد الماغوط كل حزنه الشخصي الى سخرية وكل حزنه القومي الى غضب. كانت التجربة الجدية الوحيدة في حياته، الانضمام الى الحزب السوري القومي. ومع ذلك عندما سئل عن تجربته الحزبية قال:«لقد انضممت الى الحزب لكي آكل في الاجتماعات». وكان انتماؤه الى حركة «شعر» ابرز نشاطاته الجماعية، لكنه قال انه ذهب الى «شعر» لأن العشاء كان اطيب من «الآداب». وعن جهله باللغات قال «انا العربي الوحيد القادر على عدم ادعاء الثقافة وثقل دمها».

ولد في الحزن. وشبّ في السجن السياسي. وكان اجمل شعره «حزن في ضوء القمر». كان موهبة ادبية بلا حدود، وشخصية انطوائية، متشابكة، خائفة وحذرة بلا حدود. هرب من ضعف البشر ومن ضعفه واتخذ لنفسه كرسياً وطاولة في مقهى شامي بسيط. ومعهما امضى سنواته الاخيرة. ولم يكن الناس يأتون لمجالسته بل للتفرج عليه: نمر نادر في قفص مفتوح يتفرج وحيداً على سنوات الهرم.

وفي هذا القفص المفتوح كان يطلق شعلة العبقرية والحرية في كل صوب: المخابرات. والسجون. والأنظمة العربية. ولم يكف عن ذلك. فقد كان يعيش ويتصرف ويكتب على اساس ان سجّانه عابر بينما هو مجموعة دواوين في عين الشمس. كان نثره أنيساً وحاداً. وكان شعره حزيناً وانيساً ومؤلماً وفيه دوماً شيء من ضوء القمر ومن قسوة الطفولة المعدمة والحمقاء.

جرّب الصحافة فأسرته ففك أسره ومضى. وجرّب الهجرة فاضافت الى غربة نفسه غربة المكان، فودّعها وعاد. وكانت سنية زوجته، حبه الوحيد ففقدها، وتحولت غربته الذاتية وسجنه الماضي وفقره الدائم، الى منفى مغلق، تراه الناس من الخارج، وتصغي اليه من الخارج، والنمر داخل القفص المفتوح يرسل مذكرات توقيف واستجواب في حق كوكب الارض. وفي المساء ترجوه اشعة القمر ان يعفو، فيعفو ويغفو مثل طفل حلم طوال حياته بلعبة لم يرها وبسرير لم يسترقده. مات وهو على كرسي يحلم ويصغي الى سورة يوسف: قصة الاخوة والحسد ومكر المرأة العظيم.