جرّب اللبنانيون والسوريون العلاقات <الأخوية> المميزة، بين دولتيهما، في زمن الفوضى وفي زمن الدولة <الأمنية> وخلص بعضهم الى المطالبة بعلاقات <ندية>، بدعوى ان العلاقات <المميزة> لا تعني ان يكون الأخ الأكبر في <الروف>، وأن يظل الأخ الأصغر في <الطابق الأرضي>. من هذه الخلفية الذهنية، أثيرت في حوار بيروت 2006 مسألة التنادد اللبناني السوري. واعتبرت في حكم <المحلولة>. فهل الحال كذلك؟

من حق الأخ الأصغر ان يكبر، ولكن ليس بتصغير أخيه الأكبر، وخصوصاً ليس بتدميره، من خلال السير في تنفيذ سياسات الآخرين، الرامية الى إنهاء الدور الاقليمي لسوريا، والى الاطاحة بنظامها، كما تعلن <المعارضة السورية> فسوريا ذات الأرض المحتلة، هي في حالة مواجهة مع المشروع الاميركي الاسرائيلي، وهي تالياً في حالة تحالف استراتيجي مع كل القوى العربية المقاومة لهذا المشروع. فهل يُراد من وراء <الندية> المنشودة إخراج لبنان، دولة ومجتمعاً، من واجهة الصراع العربي الاسرائيلي، ولمصلحة مَن؟

لبنان يطالب سوريا أن تقف الى جانبه مجدداً، ولكن من خلال الجلوس الى طاولة واحدة في طابق <سياسي> واحد. نظريا، يبدو هذا المطلب محقا، وعمليا، يرتّب على الحكم اللبناني ان يرقى بمؤسساته السياسية الى مستوى الدولة المركزية الديموقراطية الحديثة. وسوريا لا ترى الحكم اللبناني، في وضعه الراهن، مؤهلاً تماماً لعلاقة <ندية>. فالذي حصل، بعد خروج القوات السورية منه، ليس علاقة، بل قطيعة كادت تصل الى حد <العداوة> بين النظامين والشعبين، لولا فريق وطني لبناني، عروبي مقاوم، تمسك بالهوية وبالبندقية، متخطياً منطق الأكثرية التي وضعت نفسها في <روف> السلطة، ومنطق الأقلية التي تتعدى بجمهورها وبموقفها كل طوابق المبنى السياسي، الآخذ في الانهيار على رؤوس ساكنيه. اذ لا يمكن بناء دولة على فراغ اللاسلطة، التي يعاني المجتمع اللبناني من عواقب نهجها الاقتصادي المريض بفيروس <الليبرالية> الاجتياحية، ولا يمكن إنتاج وحدة وطنية بدون مجتمع متماسك اقتصادياً. ففي نظرنا، لا تُلغى سياسات طوائفية إلا بنمو اقتصادي سليم، ولا تقوم ديموقراطية صحيحة على درجة نمو <صفر>. فمتحاورو بيروت يتصرف فريق منهم وكأن المشكلة الاقتصادية الاجتماعية تحل ما داموا هم قد اتفقوا على العلاقات مع سوريا (ترسيم حدود، سفارتان، تنادد...) وعلى لبنانية مزارع شبعا، وفريق آخر يتصرف وكأن الحوار يسدّ أبواب الحرب، التي لا تأتي فقط من بندقية المقاومة، بل تأتي ايضا من جهة <إسرائيل> ومن الغرب، الذي لا يسرّ القلب، كما يُقال.

مقابل تحالف المقاومة مع سوريا وايران، الذي تمثله أقلية برلمانية، يُعطي تحالف الأكثرية النيابية الأولوية لظاهرة <الاغتيال> السياسي، الذي يعزوه الى دمشق. لا وهمَ ان الاغتيال السياسي مصدره <الثأر> أي الانتقام بالغدر، في نطاق الصراع الفردي على السلطة. وهذا ما تلجأ إليه القوى السياسية المتصارعة، عندما تجد فرداً يعرقل مشروعها السياسي داخل بلادها او خارجها. فالاغتيال السياسي ظاهرة مزمنة، موجودة في كل دول العالم، بنسب متفاوتة، وبصرف النظر عن أنظمتها المعتمدة. لكن، في العلاقات اللبنانية السورية، هل دمشق هي المصدر الوحيد المحتمل للاغتيال السياسي في لبنان؟ إن ما يحدث من اغتيال سياسي يومي في فلسطين المحتلة وفي العراق، يُرشدنا الى مصادر أخرى، عريقة في الاغتيال السياسي والحروب والانقلابات والمؤامرات، وهذا ما يتجاهله بعض متحاوري بيروت .2006 ويبقى على الجميع في لبنان ان ينتظروا نتائج التحقيق الدولي لمعرفة <الحقيقة>، مع العلم ان ما من محقق دولي يمكنه إرغام أية دولة على فتح ملفاتها المخابراتية، والاعتراف بما اقترفت أجهزتها الأمنية العملانية! فما العمل؟

إن مقارنة بين اتفاق الطائف (1989) وحوار بيروت (2006) قد تفيدنا في فهم المتغيرات اللبنانية، وترشدنا الى انتهاج سياسة تناددية بين بيروت ودمشق. I. كان الإطار المرجعي لاتفاق الطائف إنهاء الحرب على لبنان من داخله ومن خارجه. والتفرغ لبناء دولة ولتحرير أرض، تحت رعاية عربية، انخفضت في الممارسة الى رعاية سورية كاملة. وكان المتحاورون نواب ,1972 معززين بوسطاء (كان رفيق الحريري واحداً منهم) وبأوصياء عرب وأجانب. وكانت النتيجة ولادة ميثاق او دستور الطائف. وكان اغتيال الرئيس المنتخب، رينه معوض، باكورة <تطبيق> أو <تخريب> اتفاق الطائف. فمن اغتاله؟ ولماذا جرى تجاوز اغتياله، وانتخاب بديل منه؟ أسئلة لا يُعنى بها متحاورو بيروت اليوم، إلا من قبيل الاسترجاع والاستذكار، لتكبير ملف الاغتيالات والشهداء، بلا إضاءة حاسمة للجدل القائم حول هذه المسألة. II. نقول ذلك، لأن متحاوري الطائف لا نجد منهم في حوار بيروت سوى النائب بطرس حرب، ولأن الإطار المرجعي لهذا الحوار تبدّل بتبدّل الظروف والمتحاورين المباشرين: فالإطار المرجعي للحوار هو الاستقلال اللبناني الكامل، كرد على الاغتيال السياسي، والمتحاورون هم ثلاث فئات، كل فئة تحتل طبقة في المبنى السياسي للدولة العتيدة.

أمراء حرب (وليد جنبلاط سمير جعجع نبيه بري ميشال عون...). أمراء مال (سعد الدين الحريري وحلفاؤه أو توابعه). أمير مقاومة (السيد حسن نصرالله، رجل دين سياسي لأول مرة في تاريخ لبنان الحديث، غير برلماني، كما كان الأب الدويهي نائباً عن زغرتا).

وبعد، هؤلاء المتحاورون الجدد ليسوا مستقلين فعلاً حتى يبنوا دولة مستقلة. وربما هذا الهدف المُعلن ليس هو هدفهم الحقيقي، ويكفي للخوض في صحة هذه الفرضية أن تقارن مشاريع الحلول التي ينشدونها بالأهداف التي يعلنونها وبالسلوكات التي يسلكونها، حتى نستنتج أن الحصيلة لحوارهم ستكون <دولة تابعة> لا <دولة مستقلة>. والحال، أين هو إطار الدولة اللبنانية الذي سيمكنها من إقامة علاقة ندية مع الدولة السورية؟ إن القطيعة الراهنة بين بيروت ودمشق. تحتاج أولاً الى حوار بين الطرفين اللامتكافئين، وفي حال نجاح هذا الحوار وعودة العلاقات الى درجة الصفر، بعيداً من شبح الاغتيالات ومصادرها، فإن ما اتفق المتحاورون عليه هنا، قد لا يحظى هناك فوراً، وعنوة، بما يرتجيه حكام لبنان الجدد، المسلّحون بقرارات دولية. من النافل القول إن القرارات لا تطبق نفسها، وإن الأطراف المعنية تطبقها او لا تطبقها، بحسب موازين قواها ومصالحها وسياساتها المعبرة عنها. للتذكير نقول إن سوريا اشترطت سنة 1943 <اتفاقاً جمركياً> مع لبنان، وإنها كافحت لإلغائه بعدما تبين لها تضرّر الاقتصاد السوري الموجّه أو شبه الليبرالي، منه.

فكان لها ذلك سنة ,1947 عندما كان كمال جنبلاط وزيراً للاقتصاد والتجارة. والآن، هل رسم الحدود بين البلدين عملية سهلة وعلى <الرف>؟ وهل يتحمّل اللبنانيون الذين اعتادوا على الدخول بحرية الى سوريا ان يقفوا طوابير أمام سفارة دمشق للحصول على تأشيرة قد تُعطى وقد لا تُعطى؟ والحال نفسه بالنسبة الى السوريين. والأخطر هو أن الاعتراف بمزارع وتلال لبنانية، يستلزم اعترافاً سورياً بالتخلّي عن أرض عربية تحتلها <إسرائيل>. ويستلزم حواراً مع دولة محتلة ضمّت الجولان (ومن ضمنه المزارع والتلال) الى أراضيها بموجب قرار الكنيست، ويستلزم مقاومة او حرباً ستفوق بنتائجها كل الصراع السابق. فما معنى التنادد؟