كان الكاتب والمخرج جورج انغلوند اقرب الاصدقاء الى مارلون براندو، اشهر رجال هوليوود في القرن الماضي. وكان الزميل محمود عوض من اقرب الاصدقاء الى العندليب الاسمر، عبد الحليم حافظ. وقد قرأت هذا الاسبوع، حرفاً حرفا، كتاب الاول عن براندو، وكتاب محمود عوض الجديد: «بالعربي الجريح». والقاسم المشترك، صورة الفنان. انه مخلوق آدمي ضعيف، ترفض الناس ان تصدّق مدى هشاشته. رجل يشعر باليأس وينفجر بالبكاء ويخاف من العالم الخارجي حوله ويهده المرض. ولا يمكن ان يشعر بالاطمئنان.

لقد كان براندو يتقاضى اعلى أجر في السينما. ومع ذلك اسس شركته الخاصة. وكان عبد الحليم يسحر الملايين، ومع ذلك اسس شركة انتاج موسيقية، هو... وعبد الوهاب. ويقول محمود عوض في تبرير ضعف صديقه: «الفن يختلف عن العلم، الفن ذاتي والعلم موضوعي. الفن تحكمه مشاعر بينما العلم تحكمه وقائع».

لكن «بالعربي الجريح» ليس مجرد رحلة مع عبد الحليم حافظ وآلامه، وحكاية صديقين لم يكونا يفترقان. بل هي حكايات محمود عوض في رحلة العمر، مع عبد الوهاب وفريد الاطرش وانطوني كوين والزيارة الاولى الى نيويورك والصعيد والظرف المصري المتنقل. كل كاتب سياسي مصري له وجه آخر وحياة اخرى. واذ يطل محمود عوض في «الاخبار» جاداً وحاداً ومناقشاً ومناقضاً، اطل في مجلة «الشباب» من النافذة الاخرى. النافذة الضاحكة والمسلية والأقرب الى الناس. وفي النهاية جمع هذه الحكايات في كتاب واحد هو «بالعربي الجريح». ذلك ان نضالات محمود عوض لا يمكن ان تغيب حتى في باب التذكارات والتسالي. او التحالي، لما في المجموعة من ملاحات وسلوى.

ذات مرة كتبت سلسلة من ثلاث حلقات عن الكاتب الراحل لطفي الخولي. وقدمت بالحلقتين الاولى والثانية، عن مدى الصداقة التي كانت تربطني بالرجل، لأخلص في الحلقة الاخيرة الى افتراقنا بسبب ذهاب لطفي الى نادي كوبنهاغن. والتقيت محمود عوض في القاهرة وكانت الحلقة الثانية فقط قد صدرت. واندفع نحوي غاضباً صائحاً «مالك حنين كده مع لطفي، جرالك حاجة». وقلت لمحمود «ما جراش حاجة. اقرأ الحلقة الثالثة غداً». ولم يهدأ.