عندما وافق الرئيس حافظ الأسد على اشتراك بلاده في مؤتمر مدريد للسلام (تشرين الثاني/ نوفمبر 1991)، اختار أعضاء الوفد برئاسة وزير الخارجية فاروق الشرع.

وقبل السفر استقبلهم في مكتبه لاطلاعهم على أهم الثوابت السياسية التي تتقيد بها سورية خلال المفاوضات. وفوجئ الأسد أثناء دخول أعضاء الوفد، بوجوه عابسة وخطوات مترددة، كأن فكرة الجلوس قبالة العدو قد أربكتهم وأقلقتهم.

وحدثهم الرئيس السوري الراحل بأسلوب هادئ، مؤكداً لهم أن السلام في نظره ليس أكثر من مرحلة انتقالية في مسيرة تاريخية طويلة من الصراع مع الصهيونية. وبعد أن عدّد لهم الثوابت الوطنية وطلب منهم عدم التنازل عن شبر من الأراضي المحتلة، أخبرهم أنه ليس مستعجلاً على توقيع معاهدة سلام، وأنه يراهن دائماً على المتغيرات الاقليمية والدولية. وكرر أمامهم قدرة سورية على الصبر والصمود والانتظار، وقال لهم حرفياً: «أنا أطبخ الأمور على نار هادئة... على نار الحطب والفحم. لهذا أطلب منكم التحلي بروح الصبر والثبات والقدرة على احتمال الضغوط والنكسات».

هذه الوصيّة التي ميّزت نظام حافظ الأسد، تحولت مع الممارسة الى جزء من طبيعة النظام الذي ورثه نجله بشار. أي المراهنة على عامل الوقت مع التصدي للخصوم بواسطة الأنصار والحلفاء وأوراق الضغط المستخدمة في كل بلد من بلدان الشرق الأوسط. ومن هذه الزاوية يمكن النظر الى أهمية الرهان السوري على الوقت بهدف تحسين أوراق التفاوض الاقليمية والدولية، خصوصاً أن الالتصاق بلبنان مدة 29 سنة، خفف من جهة أخرى عوامل الترابط مع العراق والأردن وفلسطين المحتلة. وهكذا تحول الوطن الصغير تدريجاً الى شبه «هونغ كونغ» اقتصادية وسياسية وإعلامية تتنفس بواسطتها سورية وتخفف عنها ضغوط الاحتقان الداخلي. ونتج عن هذه الوحدة غير المعلنة صدام سياسي متواصل بسبب صعوبة تعايش نظامين مختلفين. وهكذا استمرت وسائل تطوير التداخل الأمني والاندماج السياسي طوال فترة الاحتراب، وإنما بايقاع مضبوط وهادئ الى حين انتهاء مرحلة الاقتتال وولادة اتفاق الطائف (تشرين الأول/ اكتوبر 1989).

وكتب سفير هولندا في دمشق بعد سنتين يقول إنه كان بمقدور حافظ الأسد إعلان وحدة البلدين عبر مجلس نيابي يدين بالولاء لسورية، ولكنه امتنع عن تحقيق هذه الخطة خوفاً من عدم نضوج عملية الدمج على الصعيد الشعبي. وهو دمج قد يقود الى معارضة أكثرية الدول العربية، وإلى احتمال تدخل إسرائيلي عسكري بتأييد من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً أن الخط الأحمر الأول من الخطوط الثلاثة التي وقعت عليها دمشق ضمن شروط دخولها الى لبنان سنة 1976، كان «خط الحفاظ على سلامة النظام القائم». ولتجاوز هذه العقبة الشكلية، قامت سورية بعملية الدمج السياسي والأمني والاقتصادي بواسطة «اتفاق الصداقة والتعاون» الذي وقّع عليه البلدان في نيسان (ابريل) 1991. ومن خلال هذا الاتفاق استطاعت دمشق التحكم بكل مفاصل الحكم اللبناني طوال خمس عشرة سنة. وعندما كانت ترتفع أصوات المطالبين بتخفيف الضغط على أدوات الحكم، كان الرئيس اميل لحود ينبري للدفاع عن الوضع القائم، برفض الاعتراف بمشكلة الوصاية والرعاية.

في رسالته الى اللبنانيين عشية الاحتفال بالذكرى الـ57 للاستقلال، دعا الرئيس لحود الى عدم المطالبة بانسحاب القوات السورية قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي العربية المحتلة، وعودة اللاجئين الفلسطينيين الى أرضهم قبل حرب 1948، وتحرير الأسرى اللبنانيين. ومن خلال هذا الربط المعقد، قال لحود في كلمته أيضاً: «إن قرار الدولة الممثلة بالسلطة الشرعية، هو أن توقيت طرح الوجود السوري في لبنان - 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 2000 - يشكل خدمة مجانية لإسرائيل، ليس على حساب سورية فحسب، بل على حساب لبنان في الدرجة الأولى».

يومها واجه الرئيس لحود حملة انتقادات شنها زعماء المعارضة بسبب ربطه مدة الوجود العسكري السوري في لبنان، بانتهاء مشاكل يصعب حلها قبل نصف قرن. كذلك هوجم بشراسة لأنه سمح بمبدأ الوصاية السورية ورفض التحدث عن تصحيح العلاقات بطريقة تحسن الأداء والتصرف والممارسة. وبسبب عمق التوكيل لرئيس تعتبره دمشق مدافعاً عن مصالحها في لبنان، حرصت قوى 14 آذار على المطالبة بإزاحته لأنه يمثل مرحلة منتهية بعد انتهاء الوجود العسكري السوري (26 نيسان - ابريل 2005). ومع ان دمشق لم تظهر تعاطفها المعلن مع أنسب الرؤساء، وأكثرهم انسجاماً مع طموحاتها السياسية الاقليمية، إلا ان إصرار حلفائها على التشبث ببقائه كان المؤشر على أهمية بقاء نفوذها في لبنان. وهو نفوذ كان يحن دائماً الى استرجاعه ياسر عرفات لاعتقاده بأن الذي يخرج من لبنان لا بد وان يخرج من المنطقة. وفي هذا السياق، يرى المراقبون ان تقلص سلطة سورية في لبنان يفقدها الكثير من سلطتها في المنطقة. والسبب انها حاكت شبكة علاقات متينة لامست مصالح كل المواطنين - المسؤولين منهم والتجار والعمال والموظفين - بحيث استنفدت مشاكل اللبنانيين ثمانين في المئة من أوقات الوزراء ورجال الاستخبارات. ويتوقع الخبراء ان تظهر النتائج الاقتصادية السلبية لهذا الانفصال في آخر السنة، خصوصاً ان التوجه نحو العراق أو الاردن لن يعوض عن المداخيل غير المنظورة التي استفاد منها المواطنون السوريون، ومثل هذه التقديرات تنسحب على مواقع النفوذ ايضاً، لأن الانسحاب العسكري أفقد سورية عمقها الاستراتيجي في لبنان، تماماً كما أفقدها احتلال العراق عمقها القومي. صحيح ان السعودية ومصر تقومان بمساعي الوساطة من أجل ترميم العلاقات المعطلة بين بيروت ودمشق، ولكن الصحيح ايضاً ان سورية لا تحتمل تحييد لبنان وعزله لأنها تعتبره أداة استراتيجية مهمة تعمل لصالحها. فإلى جانب دوره داخل الجبهة الشرقية، فإن «حزب الله» خاض حرب تحرير الجنوب، وأفشل المشروع الاسرائيلي من 1982 حتى 2000. والدليل على أهميته حيال سورية ان «حزب الله» منع اسرائيل من نقل نشاطها الى الساحة السورية عندما ضربت رادار سوري في لبنان، يومها سارع «حزب الله» الى ضرب الرادار الاسرائيلي كي يبقي لعبة الكر والفر محصورة بينه وبين العدو.

في هذه المرحلة، تسعى سورية الى تجميع أوراق جديدة داخل لبنان وخارجه من أجل استعادة مركزها المتقلقل، عن طريق بناء علاقات جديدة وسلوكات جديدة. ولقد وظف الرئيس بشار الأسد محادثاته في قمة الخرطوم لدعم الرئيس اميل لحود ومضايقة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة وما يمثله فريق 14 آذار. والهدف من كل هذا إحداث اختراق يمكن ان يصدع الجبهة الثلاثية الممثلة بسعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع. ويتردد في القاهرة ان الفترة الزمنية المطلوبة لتعليق اجتماعات الحوار الوطني حتى 28 الجاري، ستخصص من أجل دعم بقاء اميل لحود لأن سورية لم تحسم أمر الرئيس البديل بعد. ويبدو انها متمسكة بتأكيد سريان مفعول «اتفاق الصداقة والتعاون» كشرط لدعم حلفائها لأي رئيس سوف يختاره لبنان. ولقد اعترض «اللقاء الديموقراطي» بلسان النائب أكرم شهيب على استمرار دور المجلس الأعلى السوري - اللبناني برئاسة نصري خوري، واعتبره أداة تنفيذية لتحقيق رغبات سورية. وفي الرسالة التي وجهها الى الرئيس نبيه بري طالب النائب شهيب بضرورة إلغاء دور المجلس لأنه لا يختلف عن دور اميل لحود.

ولقد رد الرئيس لحود على هذا الطرح بانتقاد الذين يحاولون جعل لبنان جزيرة معزولة عن محيطه العربي. وقال أثناء استقباله وفداً من «الحزب السوري القومي الاجتماعي» إن لبنان يجب أن يقيم أفضل العلاقات مع الدول العربية الشقيقة وفي مقدمها جارته سورية. وكان لحود بهذا الكلام يشكر القمة العربية التي عومته وهمشت رئيس الوزراء. كما يجدد تأييده للدور الذي اضطلع به نصري خوري، وللعقيدة العسكرية التي حصرت تأهيل الضباط بالكلية الحربية في حمص.

وكما تحاول سورية تجديد دورها المتآكل في لبنان بواسطة الدول العربية، فهي حريصة ألا تتنازل عن دورها لأي دولة عربية أخرى حتى لو كانت مصر، لهذا يتشاور الرئيس حسني مبارك مع الرئيس بشار الاسد حول كل صغيرة وكبيرة، مخافة أن تعطي وساطته الانطباع بأنه يؤسس لعلاقات بديلة.

يجمع المراقبون في بيروت على القول إن فؤاد السنيورة ربح معاركه الأولى مع اميل لحود ولكنه خسر حربه الأخيرة. والسبب أنه فشل في اقناع محرضيه الثلاثة الحريري وجنبلاط وجعجع، بأن بقاء لحود في بعبدا ضعيفاً ومعزولاً، أفضل من فتح معركة الرئاسة على المجهول. ذلك أن عملية ازاحة لحود تستدعي الاتفاق على رئيس يرضي أكثر من فريق 14 آذار. ومثل هذا الارضاء يتطلب الوقوف على خاطر قوى ممثلة لجهات عربية واقليمية ودولية. أو كما وصفه البطريرك نصرالله صفير «أن يكون كفؤاً ومستقلاً وصادقاً ومقبولاً من الجميع». وبحسب ما قاله لمجلة «لوبوان»، فهو لا يرى الرئيس لحود شخصاً مستقلاً ومقبولاً من الجميع لأنه ربط مصيره بالسوريين.

بقي السؤال الأهم: هل يستأنف مؤتمر الحوار الوطني آخر الشهر، أم ان الوساطات الخارجية ستدفع التطورات باتجاه آخر؟!

الجواب تحدده عوامل عدة تأتي في طليعتها مشكلة تأمين اللقاء بين الأسد والسنيورة، وما إذا كان هذا الاجتماع سيقتصر على فتح العلاقة الرسمية بين لبنان وسورية، أم انه سيتطرق الى تقصير ولاية اميل لحود وحل مشكلة مزارع شبعا وطريقة التعاطي مع سلاح «حزب الله»!

مصادر حكومية لبنانية لا تتوقع حدوث اي اختراق في هذه المسائل المعلقة، قبل ان يقدم المحقق الدولي سيرج براميرتز تقريره، وقبل ان تعرف دمشق ما إذا كانت مضطرة الى تقديم بعض الضحايا أم أن فصول التقرير ستفتح صفحات جديدة!