لم يأت عام حزين وماطر, كما جاء هذا العام, بدأ بيوم عاصف ومطر موحل, مبشراً بحزن غريب عن ربيعه, حمل الى سوريا وفاة قامتين من قاماتها الباسقة, محمد الماغوط وعبد السلام العجيلي.

لم نكد نستوعب خبر الأول وانغماسنا في معمعة تحضير أقلامنا لتشييعه, حتى حلَّ خبر العجيلي مباغتاً وصاعقاً, وسابقاً أيضاً الماغوط الى المثوى الأخير, وكأنه استغل فرصة انشغالنا كي يحرمنا عناء تأبين لا يحبذه, موصياً أهله بجنازة عادية وبسيطة, لا خطابات ولا قصائد, موت هادئ كطبيعته. وهكذا لم يقيض للذين أحبوه من خارج بلدته سوى متابعة مشاهد الجنازة في التلفزيون, محرومين نظرة الوادع الأخير, والتعبير حتى بالكلمات عن واجب لا بد من قوله في هذه المناسبة.

رده كان قاسياً على تقصيرنا تجاهه. كان يجب أن نكون أكثر قرباً منه في ساعاته الأخيرة, لكن خطأ ما حدث, وظننا أنه سيجتاز أزمته الصحية الأخيرة كما اجتاز سابقاتها, ربما لثقتنا العمياء بقدرته على التغلب على المرض, وأيضاً لسوء تقديرنا أعباء عمر قارب الثامنة والثمانين, إذ طالما ضللنا بشبابه وحيويته, فخلنا أن الشيخوخة مرتبطة بالعجز والوهن, ولم يكن عاجزاً ولم نره واهناً؛ أو أن أعراض الشيخوخة لا تأتي دفعة واحدة, وإذا جاءت فهي تمتد طويلاً, لكنه كان يعاني الأوجاع ويخفيها عنا. اعتقدت أن ابتعاده لن يطول, وقريباً سيخبرني أنه في مقهى الشام مع ثلة أصدقاء مقهى «البرازيل», فأسأله عن جدول أعماله في دمشق وأين موقعي فيه, فيحدد موعداً لي في اليوم التالي, وكالعادة أتأخر, وكالعادة يؤنبني ممازحاً بمثل فرنسي يقول: «إن الالتزام بالموعد من تهذيب الملوك». فأجيبه: «أحمد الله أني لست من الملوك, وإلا لن تسمح لي بلقائك», نتابع بعدها حديثاً بدأ منذ تعرفي به, فأسأله إن كان قد كتب إجاباته عن أسئلتي, وقبل أن يفرد أمامي الأوراق, يرد علي واصفاً بعضها بأنها كأسئلة المخابرات, ومع ذلك كان يجيب عنها متسائلاً, ما الذي سأفعله بحوار طويل لا يتسع له سوى كتاب؟!

كان الحوار فعلاً مشروع كتاب, ولم يبخل عليًّ, فقد مدّني بمجموعة كبيرة من الصور بالإضافة الى مقالات وقصائد ووثائق لم ينشرها, طالباً مني عدم نشرها قبل وفاته. وكان كلما ورد ذكر الموت يوصيني بألا أحزن على فقده. وعادة أبادره بضحكة عابثة لإخفاء ذعري, قائلة له, أمثالك يا دكتور لا يموتون, أنت جزء من ذاكرتنا الوطنية التي لا يجب أن تموت.

تمنى العجيلي موتاً بأسهل الأسباب, يدهمه وهو في أتم العافية. وكان يبرره قائلاً بابتسامة: «لقد شبعت من الحياة, عشتها بكل ما فيها, وما عدت ارغب في المزيد». في حين كنت تواقة لأعرف المزيد عنه, والإمعان في خصاله الفريدة, والتتلمذ على شخصه النبيل, وتأمل كيف تكون القناعة كنزاً لا يفنى حين تفتح الحياة ذراعيها فتمنح المكانة والشهرة والمال؟! أليس لغزاً أن يدير العجيلي ظهره لسخاء الحياة هذا, كرمى لعين مريض أو محتاج الى المساعدة, بل ويعلمنا كيف يكون الإنسان القيمة الأكثر ثباتاً في عالم تتداعى فيه القيم والمبادئ.

هل ذهب زمان العجيلي؟! الزمن يذهب أما العجيلي فيبقى, إذ مازلنا بحاجة الى تجربته في الحياة والأدب الآن أكثر من أي وقت مضى, والتعلم من حكمة تنضح من تجربة نضال عنيد في سبل الحياة. فهو النائب الذي تخلى عن كرسيه ليلتحق بجيش إنقاذ فلسطين, والطبيب الذي لم يتخل عن مرضاه وكان له دور أساسي في مكافحة شلل الأطفال والقضاء عليه تقريباً, وهو الذي أعطانا درساً في اتساع البلدات الصغيرة والنائية للطموحات الكبرى. فاستحق وصف أهل الرقة لجنازته أنه «مات على سروج الخيل». مضى معززاً مكرماً, محمولاً على الراحات. وخرجت الرقة بشيبها وشبانها وصغارها لوداعه, وغمرته بحب يطفح عن ثمانية عقود, ودثرته بصمت حزن جليل, شفيف ومتقشف. الساعة التي كنت أخشاها جاءت, ساعة أضطر لكتابة مقالة حزينة عنه, أتمنى ألا تشبه التأبين, هذا رجل لم يرحل بعد, رجل ما زال يعلمنا في غيابه مثلما في حضوره معنى الطموح حين يكون المنجز الحقيقي هو الالتزام بالناس وقضاياهم والترفع عن الصغائر, والقدرة على العطاء, دون انتظار مقابل, وكيف يكون الإنسان انساناً بكل ما في الكلمة من معان سامية, فيقوى بجوهره ومواقفه, لا بسلطة ولا جاه ولا مال, إن جاءت أو ذهبت. وإذا كان لي أن أخالف وصيته, فأرجو أن يسمح لي أن أحزن عليه, حزني على أقرب الناس إلى قلبي, رحلوا من قبله وما زالوا إلى جانبي