أجتهد طويلا في تأمل السيناريو الافتراضي الذي قد تفضي إليه الأحداث بعد أن يفرغ القوم من "جزأرة" أو "صوملة" الحالة الفلسطينية، فلا أجد إلا جهدا لن يزيد عما قطفه الآخرون من ثمار في الجزائر أو الصومال، بل ربما يتعدى الأمر "منجزات" هؤلاء "الآخرون" ما حققوه في كلا البلدين إلى ما حققته الإدارة الأمريكية من "إنجازات" في العراق!

قد ترضى الشعوب بالهزيمة لفترة من الوقت، لكن من المستحيل أن تبيع كرامتها برغيف مغمس بالذل والهوان طيلة الوقت، ما لا يريد أن يستمع إليه الأغبياء في الغرب، أن انتخاب حماس ليس القصة الرئيسة في المشهد، بل الرسالة التي لا يريدون التقاطها على الاطلاق، وهي أن هناك روحا جديدة بدأت تسري في قلوب وعقول الخلق في هذه المنطقة، من الصعب السيطرة عليها بالعنف والرشا وتجنيد العملاء وحشد المتواطئين!

إنها ببساطة نهاية الحقبة الأمريكية، هكذا أقولها بالفم المليء، ونهاية حقبة استعباد الشعوب، وسياستها بالعصا ورغيف القمح، لا يهم من أين بدأت تهب نسائم التحرر والانعتاق، ولا كيف بدأت الشعوب تستعمل حقها في الاختيار، المهم أن أمريكا والاتحاد الأوروبي واليابان قد ينجحون بإسقاط حكومة حماس، وتفشيلها قبل أن تبدأ بعمل أي شيء، لكن الأكثر أهمية أن روح التحدي والتمرد التي أصرت على انتخاب من لا تريد أمريكا ولا إسرائيل، لن تموت ولن تخبو نارها، تحت ضغط التهديد بالتجويع وقطع المساعدات! ما لا يريد أن يتعلمه الغرب ولا يستطيعون قراءته ما بين السطور، أن هذه المنطقة بدأت تخرج من قبضتهم، وعليهم أن يبحثوا عن أسلوب جديد للتعاطي معها، غير أسلوب التهديد والوعيد والمكر الليلي، وصناعة ’’البطل البديل’’ أو ما يسمونه في السينما ’’الدوبلير’’.. فهناك وعي كاف لدى هذه الشعوب الآن للتفريق بين البطل والدوبلير، ومن الأجدى والأنفع أن يبدأ الغرب عموما، وأمريكا بشكل خاص التعامل مع البطل الشعبي الحقيقي الذي يملك ما يكفي من مصداقية لاتخاذ القرار الفعلي! ببساطة شديدة، إفشال حماس الآن لن يكون لا في صالح أمريكا ولا العرب ولا المسلمين الوسطيين المعتدلين، إفشال رجال ملتحين ببذلات عنق أنيقة يؤمنون بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع، ومخاطبة ’’المجتمع الدولي’’ برسائل منمقة، ويجلسون بأدب جم وراء كراسي المسؤولية المنضبطة بالقوانين والتشريعات ’’الوضعية’’، كل هذا يعني شيئا واحدا فقط للاسلاميين الحركيين، وهو أن هذه الطريقة ’’المعتدلة’’ والحضارية في التعامل مع ’’الآخر’’ ليست بذات جدوى، وتأكيد على أن طريقة ابن لادن والظواهري والزرقاوي هي ’’الأفضل’’، إفشال حماس كتنظيم فوق الأرض، يؤمن بالتعددية والحوار والتفاوض وتداول السلطة، يعني تقوية مباشرة للتيارات الـ ’’تحت أرضية’’ التي لا ترى جدوى من العمل في ضوء الشمس، ولا في التلاقي مع ’’الآخر’’ إلا في ساحات النزال والوغى!

إفشال حماس له معنى واحد فقط: لا جدوى من الاعتدال، لأن ’’الآخر’’ إياه لم يعط أسلاف حماس غير الوهم، حتى مع الاستعداد للذهاب إلى أبعد مدى في التنازل والتفاوض على التفاوض، فلم تتنازل حماس وعن ماذا ومقابل ماذا؟؟