الشرق الأوسط لا يمكن أن نطلب من الفلسطينيين احترام اللعبة الديمقراطية ومعاقبتهم في نفس الوقت

ذكر الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مقابلة صحافية ان جماعة «حماس» الإسلامية الراديكالية بدأت تظهر عليها إشارات الاضطراب بعد أسبوع من إدارة السلطة الفلسطينية، وانه تكهن ان قادتها سيخففون من موقفهم تجاه إسرائيل ويقبلون بحق الدولة اليهودية في الوجود. وقال عباس، في مقابلة مع الصحافة الأجنبية في مجمع الرئاسة «إذا لم يتغيروا، فلن يتعامل احد معهم».

بعد فوز «حماس» علي حركة «فتح» التي يرأسها عباس في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 25 يناير(كانون الثاني) «كان لقادتها بعض التصورات الوهمية بقدرتهم على التسليم والاستمرار، وليذهب العالم للجحيم. ولكني لا اعتقد بأمكانية ذلك الآن. فقد تبين لهم الآن عدم إمكانية ذلك» كما اوضح عباس.

وحدد محمود عباس، البالغ من العمر 71 سنة، لمجموعة صغيرة من الصحافيين الأجانب التحديات التي يواجهها في دفع عملية السلام مع اسرائيل والحفاظ على السلطة الفلسطينية في الوقت الذي بدأت فيه «حماس» في ادارة الحكومة بعد سنوات من معارضتها من الخارج. وتعتبر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي جماعة «حماس»، منظمة إرهابية.

وقدم عباس، الذي كان يتحدث بالعربية والانجليزية، نفسه كشخصية ذات قيمة في النظام الفلسطيني في الوقت الذي تقيم فيه اسرائيل والدول الاجنبية المتبرعة نفوذه السياسي وقدرته على تغيير «حماس».

وتقرر بعض الدول الأجنبية المتبرعة ما اذا كان عباس، الذي طلب من «حماس» ادانة العنف وقبول حل الدولتين للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، يمكن ان يعتبر قناة للتمويل في المستقبل. وكانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد اوقفا المشاريع والمساعدات التي يمكن ان تستفيد منها حكومة بقيادة «حماس».

وأوضح عباس «لا يمكننا القول للفلسطينيين انه من الأمور الجيدة ان تكون ديمقراطيا وفي الوقت ذاته نعاقبهم. يجب على الاتحاد الأوروبي العثور على آلية لايصال المساعدات للشعب الفلسطيني، ونناقش في الوقت الراهن مثل هذه الآلية».

ولا يزال عباس باعتباره رئيسا للسلطة الفلسطينية وزعيما لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويتحمل مسؤولية وضع سياسة السلام مع اسرائيل. وخلال المقابلة، وجه عباس نداء لمفاوضات فورية مع اسرائيل طبقا للخطة المدعومة اميركيا والمعروفة باسم «خريطة الطريق» التي تعتبر عملية مرحلية تؤدي الى تشكيل دولة فلسطينية. الا ان احتمالات السلام تقلصت في الاسبوع الماضي عندما اقر الناخبون الإسرائيليون انسحابا من طرف واحد من الأراضي المحتلة بجعل حزب «كديما» اكبر الأحزاب في البرلمان.

وأوضح عباس «أخشى انهم سيقاطعوني،» في اشارة لإسرائيل. واستطرد قائلا «اذا لم يتعاملوا معي، لا يمكنني القيام بأي شيء».

وكان ايهود اولمرت، الذي اصبح زعيما لحزب «كديما» بعد مرض ارييل شارون ودخوله في غيبوبة، وسيخلف شارون في منصب رئيس الوزراء، قد تعهد بالانسحاب من بعض المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية وتحديد حدود اسرائيل ـ تقريبا على نفس خطوط الجدار العازل الذي يقسم المناطق التي يعتبرها الفلسطينيون جزء من دولتهم المستقبلية ـ خلال فترة حكمة التي تستمر اربع سنوات. وقال عباس ان مثل هذه الخطوة، في اعقاب الانسحاب الإسرائيلي من طرف واحد من قطاع غزة في العام الماضي، ستنقل النزاع الى الجيل القادم.

وأوضح «سيؤجلون، ويؤخرون الصراع، ولن تحل المشكلة. يمكنهم تأجيل النزاع لعشر سنوات. وبعد 10 سنوات، سيشعر أولادنا بعدم عدالة الأمر وسيعودون للصراع».

وقال عباس ان الاتفاقية النهائية تعتمد على انسحاب اسرائيل الى الحدود التي كانت قائمة في عشية حرب 1967، التي احتلت خلالها اسرائيل الضفة وقطاع غزة. ويتطلب ذلك من إسرائيل التخلي عن اكبر كتلة مستوطنات والقدس الشرقية، وهي الشروط التي رفضها العديد من السياسيين الإسرائيليين.

وكان الرئيس بوش قد اوضح في رسالة بعث بها لشارون في ابريل 2004 انه «في ضوء الوقائع الجديدة على الارض، بما في ذلك المراكز الإسرائيلية الكبرى، لم يعد من الواقع توقع ان تصبح نتيجة مفاوضات الوضع النهائي هي الإعادة الكاملة» من جانب اسرائيل الى تلك الحدود. الا ان عباس قال انه تلقي ضمانات من المسؤولين الإسرائيليين بأن ادارة بوش تؤيد موقفه.

وأوضح «لا أعتقد ان غزة مثل الضفة الغربية. ففي الضفة، يريدون ترسيم الحدود والقول ان هذه هي دولتكم، ويريدون هذه الدولة داخل الجدار، بدون مفاوضات. هذا أمر مختلف. لا اعتقد أن أي شخص من الخارج سيقبل مثل هذه السياسة».

وكان عباس الذي انتخب رئيسا في يناير 2005 في اعقاب وفاة ياسر عرفات يبدو مسترخيا طوال المقابلة، حتى في الوقت الذي كانت فيه المدفعية الاسرائيلية تضرب شمال غزة في محاولة لوقف الفلسطينيين عن اطلاق صواريخ صناعة محلية علي جنوب اسرائيل.

وقال انه لا ينوي الاستقالة، بالرغم من الادلة السابقة على انه ينوي ذلك اذا لم يتمكن من تنفيذ برنامجه السياسي، الذي يعتمد على التوصل الى اتفاقية للسلام مع اسرائيل.

وقال عباس انه سيمنح «حماس»، الذي ادت اليمين الدستورية في 29 مارس (آذار) الماضي، فرصة عادلة لأثبات قدراتها على الحكم «لأنه لا يمكن القول انك فشلت بعد يومين او أسبوع».

ولكن في الوقت نفسه بدأ في تحديد سلطاته هو بعدما اخذ المسؤولون في «حماس»، طبقا لما قاله، في إظهار إشارات «على الاضطراب في موقفهم السياسي». وأشار الى البيانات المتناقضة التي قدمها وزير الخارجية، محمود الزهار، للأمين العام للأمم المتحدة هذه الأسبوع حول ما اذا كانت «حماس» ستقبل حل الدولتين.

وأوضح عباس «أعتقد ان عليهم تغيير مواقفهم. وإلا ستحدث كارثة حقيقية في المجتمع الفلسطيني».

وفي الوقت نفسه، قال عباس ان حركة «فتح» التي ينتمي اليها لأكثر من نصف عمره، تصلح ذاتها، مستفيدة من درس هزيمتها في يناير الماضي التي أنهت تحكمها الطويل في السلطة.

وتجدر الإشارة الى ان مرشحي «فتح» وغيرهم من المرتبطين بالحزب الذين ترشحوا كمستقلين تلقوا أغلبية من الأصوات. ولكن في عديد من الدوائر الفردية، تنافس مرشحي «فتح» ضد بعضهم البعض، مما أدى الى انقسام الأصوات وضمان الأغلبية البرلمانية لحماس. وقال عباس إن النتائج أظهرت «ان مزاج الشعب لا يزال معتدلا».

وأضاف «لا يجب تحميلي اللوم على الديمقراطية، بل يجب مدحي. إذا ما أدت الديمقراطية الى وصول حماس، فليس ذلك خطأي. بل خطأ فتح لأنهم دخلوا الانتخابات منقسمين.».