ما الذي يمتلكه النظام السوري في سجلاته التاريخية وواقعه المعاصر لمواجهة أي معارضة وطنية ديمقراطية وسلمية ؟ وهل يستطيع نظام غلبت على مفاصله الترهل والتآكل وعلى اجوائه التعفن السياسي ان يتعايش مع نسمات من الحرية الحقيقة ناهيك عن الصمود امام رياحها؟ ما هي احوال البلاد الاقتصادية والعلمية والسياسية وما هي مكانتها الاقليمية والدولية والتي اوصلنا النظام إليها بعد تفرده المطلق في حكم البلاد والعباد لإكثر من اربعة عقود عجاف؟ وكيف اصبحت مكانة المواطن السوري المقهور في وطنه وخارجه وهو المحاصر في لقمته والملاحق حتى في غربته القسرية منها كانت او الطوعية وان كانت الدوافع متطابقة, فساد الحكم وتدميره مقومات البلاد ومكانتها وإمكانياتها.

هل مشكلة النظام السوري تكمن في ان بعض الاطراف الدولية النافذة تريد تسيس قضية جريمة إغتيال رفيق الحريري, كما يزعم إعلام النظام وابواقه؟ لقد نشأ النظام السوري واشتد عوده واسلوبه ومنهجه التصفيات والاغتيالات والتجاوزات البالغة على حقوق الانسان وكرامته, والتي يعرفها الجميع ويضيق بذكرها كتاب ناهيك عن مقال مثل جرائم اغتيال كمال جنبلاط ورياض طه وسليم اللوزي وبنان الطنطاوي والمفتي حسن خالد ومجزرة تدمر ومأساة حماة وتل الزعتر وغيرهم كثير. قد تكون حماقة النظام ورعونته في لبنان مؤخرا هي التي قادته الى مسلسلات الامتهان والتي يتقلب بها ويتعرض لها سياسيا على الساحة الدولية. غير ان تأخر فتح ملفات النظام الدموية وتجاوزاته الخطيرة وانتهاكاته البائسة دوليا تبرهن على الادوار الكبيرة والتي كان النظام يؤديها في المنطقة والتي نعاني جميعا منها ومن تبعاتها الان من خلال ضعف ان لم نقل انهيار جهاز المناعة السياسي والعسكري للنظام العربي الرسمي. الادوار التي أداها النظام في تاريخ المنطقة كثيرة وعديدة منها على سبيل المثال محاصرة المقاومة الفلسطينية وتمزيقها والتحالف مع ايران لإدامة حربها المدمرة مع العراق والعبث بمكانة الجيش السوري وتحجيمه واهانته و تلويث المجتمع السوري وبث اخلاقيات الرشوة والوساطات وعلى خلفيات طائفية فيه, ونشر ثقافة النفاق والتزلف واللغة الاعلامية الخشبية والفاقعة من جهة اختلاق الاكاذيب وترديدها بصفاقة عجيبة. ما قدمه النظام السوري لمن كان وما يزال يدعي مقاومتهم والصمود امامهم هي التي أهلت نظاما معزولا ومكروها من الناحية الشعبية ومجدبا فقيرا من ناحية الانجازات, ليستمر في الحكم عقودا طويلة وليورث الحكم من بعد ذلك في مسرحية كوميدية سوداء.

حين وصل بشار الاسد الى سدة الحكم رفع شعار محاربة الفساد الاداري وتبني الاصلاح السياسي. محاربة الفساد في قاموس النظام السوري هي اداة لتصفية الخصوم السياسيين وسيف مسلط على رقاب رجالات النظام حال اختلافهم معه او تجرؤهم على انتقاد الاوضاع المزرية او محاولة الخروج عليها كما حصل مع نائب الرئيس السابق خدام. وبالتالي فإن فلسفة محاربة الفساد في عرف النظام السوري هي واحدة من ابشع صور الفساد السياسي واقبحها. اما الاصلاح والذي يتم ضمن النظام السوري فهو يستهدف في جوهره اطالة عمر دكتاتوريته البائسة مع غطاء ديكوري قاحل على وجهها القبيح, ولقطع الطريق امام اي محاولات اصلاحية جادة ومخلصة. بشار الاسد وفي خلال لقاءته مع وسائل الاعلام الامريكية والتي تعددت في الآونة الاخير, يتسول الرضا والقبول الامريكي محاولا وبإستماتة ان يسوق نفسه كصمام امان من بدائل متطرفة تستهدف المصالح الامريكية في المنطقة. النظام السوري يقف مترنحا امام المطالب الامريكية والغربية وبخضوع وصغار كبيرين, الم يرسل بشار رسالته الاعلامية مع مراسم التايم الامريكية انه ليس مثل صدام وانه جاهز للتعاون؟ وما زال يرسل الاشارات والتلميحات في نفس السياق من وقت لآخر.

حين يُسأل بشار الاسد في مقابلاته الاعلامية عن تأخر وتراجع الاصلاح الموعود فإن اجاباته والتي يطغى عليها عادة الفلسفة الجوفاء والجدل العقيم, تنحي باللائمة على الصعوبات التي يواجهها الاصلاح وضعف الامكانيات في البلاد وان اولويات المواطن السوري تكمن في الاحوال الاقتصادية وفي تحصيل قوته وسبل معاشه. النظام السوري بمثل هذه الطروحات يدين نفسه وبشكل حاسم وبطريقة يعجز عنها منافسوه وخصومه. فالنظام يعترف بأن حكمه الطويل والمتفرد للبلاد قد ادى الى تدهور الاحوال فيها بحيث اصبح الاصلاح بوجود هذه النظام اشبه بالمستحيل. كما ان سرطان الفساد الاقتصادي والاداري في البلاد والذي صنع اثرياء يتربعون على مليارات الدولارات من عائلة الاسد وحاشيته, بعثرت اولويات المواطن المسحوق حتى جعلت لقمة العيش همه الاول والاخير.

ما ان يستشعر النظام السوري -ولو وهما او من خلال قراءة خاطئة- بان الضغوط على نظامه قد هدأت او خبت قليلا حتى يبدأ وبتجح بالتعامل القاسي مع مواطنيه والناشطين السياسيين والتلويح لهم بالعصا الغليظة وتوقيفهم والزج بهم في سجونه ومراكز الاعتقال وشن الحملات الاعلامية عليهم لإغتيالهم معنويا واتهامهم بالاستقواء بالخارج. ليؤكد هذا النظام ويبرهن على انه عصي على الاصلاح وهو ابعد ما يكون عن هموم الوطن او طموحات مواطنيه. وبالتالي فإن المعارضة السورية بكل اشكالها واطيافها لم يبقى لها من خيار سوى المطالبة بالتغيير السلمي للنظام ومحاكمة رجاله ورموزه على تجاوزاتهم الخطيرة وانتهاكاتهم الجسيمة بحق البلاد والعباد وتعاملهم مع الوطن كمزرعة خاصة لنزواتهم ورغباتهم المريضة يعيثون فيه فسادا وإفسادا.