في الصورة النهائية يتوصل الأستاذ برهان غليون خلال لقاء مع إحدى الفضائيات إلى ضرورة وجود وسيط .. محايد ... تقبل به السلطة والمعارضة وتكون وظيفته فتح الحوار بين الطرفين، ويعتبر الأستاذ غليون أن المعارضة على تشتتها وضعفها فإنها الأقوى سياسيا، وأن السلطة هي الأقوى ماديا وأمنيا والتفاهم بين الاثنين سيفتح الباب لمعالجة "الأزمة السورية".

ولسنا بصدد التعامل مع طروحات الأستاذ غليون من باب النقد أو التفكيك، لكن مسألة "الوسيط" تشير استفهاما أساسيا على الأخص أنه يقترح أن يكون من الجامعة العربية أو هيئة الأمم المتحدة. وبغض النظر عن صعوبة هذه الآلية، لأنها تنطلق أساسا من افتراض أن هذا الإجراء لا يمس "السيادة"، ولا ينتج عنها أي تبعات في مجال "الولاء" لمؤسسات خارج الوطن، لكن "الوسيط" تم بناءه عند الأستاذ غليون على مشكلة "العزلة" لدى الطرفين، لكن هل الحل في "وسيط" يجمعهما؟!!

والمسألة تبدو حساسة ليس من باب الصراع السياسي ما بين سلطة ومعارضة، إنما من ضرورة ظهور "الفعل الاجتماعي" القادر على صياغة "الثقافة السياسية" من جديد، فمسألة "الوسيط" ربما تتجاوز إطار وجود أشخاص يعملون على تقريب وجهات النظر، لأنها يمكن أن تظهر من داخل الشارع السوري لتفتح الحوار في طبيعة الثقافة السياسية داخل سورية. فالمهمة ليست "التوسط" بين طرفين لإيجاد حلول على نسق "إدارة الأزمات"، لأننا نواجه فعليا مشكلة علاقة داخل كل أطراف المعادلة "الوطنية" بشكل عام.

عندما يتم طرح "وسيط" فإن أو ما يتبادر للذهن هو عملية التفاوض، وإيجاد الحلول على سياق عمليات التنازل من الطرفين، وهنا فإن القضية تبدو وكأنها آليات سياسية فقط لها علاقة بـ"المشاركة" داخل السلطة تحديدا لأننا نتحدث أساسا عن مفاوضات بين السلطة والمعارضة. فمن الذي سيستفيد من مثل هذه المفاوضات؟!!!

الوصول إلى مسألة "الوسيط" هي جوهر الأزمة لأننا فكرنا به عبر سماته كنزاهة والحيادية، ونظرنا مباشرة للخارج، بينما كان يفترض أن نبحث بالفعل عن هيئات لإنتاج "ثقافة سياسية" داخل المجتمع، وهنا فإن العملية بمجملها لن تكون تفاوضا بل خروج من المعادلة المأزومة ما بين سلطة ومعارضة ... فالحديث عن الوسيط يشمل بالفعل البحث بشكل جدي في الإجابة عن أسئلة أساسية تبدأ برؤيتنا للدولة والسلطة والمجتمع وطبيعة العلاقة بينهم ... "الوسيط" هو الثقافة السياسية الجديدة التي تجعل من "المواطنين" عاملا اساسيا وليسوا خاضعين لـ"النخب" من الطرفين، سواء كانت هذه النخب عادية أو "مكرسة" حسب تعبير الأستاذ غليون.