ثلاثة أعوام من الاحتلال، اكثر من ثلاثمئة بليون دولار، انتخابات أولى وثانية واستفتاء على «دستور» جديد، طاقم سياسي بعضه القليل مجرّب ومعظمه لا يزال يتعلم أصول الحكم. العراق في الذكرى الثالثة لسقوط بغداد لا يشبه سوى العراق لحظة ذلك السقوط، مع فارق بسيط قد يكون التغيير الوحيد الحاصل وهو ان اللصوص والناهبين لم يعودوا في الشارع، بل انتقلوا الى أماكن أخرى يتمتعون فيها بالحماية والرفاهية، خلافاً لحال العراقيين عموماً.

ثلاثة أعوام لتعميم الاقتناع بأن «الدولة» لن تعود دولة العراقيين جميعاً، فالارهاب يعزز منطق التقسيميين، وهؤلاء يستندون الى الارهاب. الطرفان يتشاركان الأهداف، ويتقاتلان في الظلام. «المنتصرون» انكروا كل حق في المقاومة، مع أنهم يعرفون جيداً انها موجودة، وينبغي معالجة الحال التي شكلتها توصلاً الى صيغة لا بد منها للتعايش. تجربة ممارسة المسؤولية تفاوتت نجاحاً واخفاقاً، لكنها انفضحت انحيازاً وفئوية. وأخيراً حال حرب أهلية غير معترف بها، فهناك من يرى فيها ملامح من تفكك يوغوسلافيا السابقة، وملامح من الحرب الأهلية اللبنانية، والآن أصبح كثيرون يعتبرون أنهم أمام ظاهرة «صوملة» جديدة.

يقول الجميع انهم ضد بقاء قوات الاحتلال الاميركية في العراق، لكنهم يبرهنون يومياً أنهم لا يستطيعون الاستغناء عن تلك القوات. اكتشفوا متأخرين ان القوى العراقية، من جيش وشرطة، تشكلت على النحو المذهبي الذي ينهج به السياسيون، ما يحد من حياديته وحركته. بل ان العلل التي زرعت في الجسم الأمني الجديد هي نفسها التي تحول دون ولادة حكومة كانت سلطة الاحتلال أول من اشترط ان تكون «حكومة وحدة وطنية»، لكن حلفاء الاحتلال والمستفيدين منه لا يترددون في وضع العراقيل. وعلى رغم الاعلان عن «اتفاقات» بين الفرقاء على المجلس الاستشاري أو طريقة عمل الحكومة أو المجلس الأمني، إلا أن هذه الاتفاقات مجرد نصوص وأفكار عامة ولا تعني ان الحكومة باتت وشيكة. هناك من يعتقد، عن حق، ان الصراعات الدائرة حول الرئاسات والوزارات وحول ضوابط العمل الحكومي والقرار الأمني، هي الأجزاء الظاهرة فقط من مخاض بحث الدولة العراقية الجديدة عن هويتها.

فيما تتخبط الإدارة الأميركية في مضاعفات مغامرتها العشوائية في العراق، باحثة عن الأخطاء التكتيكية والاستراتيجية، وعن أي طرف دولي أو اقليمي يستطيع أن يساهم في تخطي المأزق، لا يبدو عراقيو المنطقة الخضراء قلقين مما جنت أيديهم، حتى أن سلطة الاحتلال نفسها باتت تضيق بتعصباتهم وتعنتاتهم. وبعيداً عن التوصيف الذي أعطاه الرئيس المصري لـ «ولاء» شيعة العراق، لا مبالغة في القول إن أياً من مكونات المجتمع العراقي لم يحرص على اثبات وطنيته أو تمسكه بوحدة البلد شعباً وأرضاً ومؤسسات. ولو توفر لدى عراقيي الحكم الجديد حد أدنى من حس الدولة والمسؤولية لما وافقوا وتحمسوا غداة الاحتلال لتفكيك الدولة السابقة وإلغاء الجيش والشرطة. وها هم يوضحون شيئاً فشيئاً أنهم يطمحون الى دويلات ومناطق لكل منها قواه الأمنية أو ميليشياته. إنهم بذلك يؤسسون لصراعات وتناحرات لا أفق ولا نهاية لها.

هذه الطموحات التقسيمية هي التي غلّبت النفور من العرب والعروبة ومن أي اشتباه بـ «فكر قومي». كان ذلك رد فعل على ما اعتقد «العراقيون الجدد» أنه ايديولوجية النظام السابق، متناسين أن نهج صدام كان صدامياً فقط، فلا هو تجسيد للعروبة ولا هو ممثل لـ «القومية» إذا كان قد بقي شيء من هذه القومية في ايامنا. وفي أي حال، إذا كان من حق العراقيين الجدد أن يعيدوا صوغ هوية بلدهم، متجهين أكثر الى احترام التعددية والديموقراطية، إلا أنهم لم يتوصلوا بعد الى ادهاش أحد بأي صيغة ولم يترددوا في استنساخ بعض أبشع ممارسات النظام الصدامي. ومهما اجتهدوا لن يتمكنوا من جعل التقوقع نهجاً ناجحاً لأن ذلك سيزيد من اعتمادهم على سلطة الاحتلال وعليها وحدها.