المستقبل

حض النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام امس لمناسبة ذكرى تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي "المناضلين" في الحزب ان يناضلوا "من اجل تحرير الحزب من سجن السلطة والكفاح مع جميع القوى السياسية والاجتماعية والنقابية والاقتصادية في البلاد لتحقيق التغيير واسقاط نظام مستبد فاسد في رأسه وفي قلبه وفي اطرافه من اجل بناء نظام ديموقراطي". ونبه على المصير الذي يتهدد البلاد "في ظل استمرار هذا النظام"، داعياً الى تحرير الحزب من سلطة "هي في طريق الانهيار وفي آخر ايامها". واعتبر مناسبة تأسيس الحزب "حافزاً وطنياً في انقاذ البلاد من نظام فاسد ومستبد كان حزبكم ومبادؤه اولى ضحاياه". في ما يأتي نص الرسالة: "ايها المناضلون في حزب البعث بعد تسعة وخمسين عاماً من تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي والذي شكل في عقد الخمسينات احدى القوى الاساسية لحركة التحرر في الوطن العربي، علينا ان نتساءل عن وضع الحزب ودوره خلال اكثر من اربعين عاماً. كما علينا ان نمعن التفكير بما آلت اليه اوضاع البلاد من ضعف وفساد يسري في جسم الدولة من رأسها وما دونه ومن تعطيل للحياة السياسية ومصادرة الحريات وممارسة القتل للمواطنين وزرع الخوف في عقول الناس وفي قلوبهم ومن تصدع للوحدة الوطنية مما حول البلاد الى سجن كبير في الوقت الذي نسي النظام الاراضي السورية المحتلة في الجولان. علينا ان نتساءل عن اسباب هذه الاوضاع المتردية التي اضعفت سوريا وجعلتها في موقع العجز عن النهوض والتقدم وتحرير الارض. هل الحزب مسؤول عن كل ذلك؟ هل هو بالفعل يقود الدولة ام انه اسير سلطة ترتكب خطاياها باسم الحزب؟. هل انتم ايها المناضلون في حزب البعث من زرع الفساد؟. هل انتم مارستم الظلم والقتل وسجن المواطنين؟. وهل انتم صادرتم الحريات العامة والفردية ومنعتم تحقيق الديموقراطية؟. هل انتم من سبّب الازمة الاقتصادية الحادة التي تعيشها البلاد؟. وهل تساءلتم لماذا سوريا رغم حيوية شعبها وقدراته تعيش هذا الوضع المؤلم والمقلق ليس لكم بل لابنائكم والاجيال القادمة؟. ايها البعثيون اقول لكم بكل صدق وصراحة وشعور بالمسؤولية اننا في قيادة الحزب عند مناقشة الدستور ارتكبنا خطأ فادحاً في وضع نص المادة الثامنة التي تقول ان حزب البعث العربي الاشتراكي يقود الدولة والمجتمع وبذلك فقد اغلقنا الباب امام بناء نظام ديموقراطي كثيراً ما ناضلنا لتحقيقه منذ تأسيس الحزب كما فتحنا الباب امام تمركز السلطة لدى رئيس الدولة وهو الامين العام للحزب فجمع السلطتين الحكومية والحزبية مما ادى عملياً الى تنمية نزعة الانفراد بالقرار وتعطيل المؤسسات الدستورية والحزبية وتحول الحزب الى واجهة للسلطة وليس قائداً لها. جميعكم يعرف ان الاداة الاساسية بيد السلطة في ممارسة القمع وكم الافواه ومصادرة الحريات كانت هي اجهزة الامن التي تتلقى تعليماتها من مركز القرار. لقد تحولت القيادة القطرية لاسيما بعد إلغاء الانتخابات في الحزب ووضع اختيار اعضائها بيد الامين العام للحزب الى واجهة ليس لها قرار. وكلكم يعرف ان جميع تلك القيادات لم يكن لها دور في القرار ولا قدرة على المحاسبة. وكلكم يعرف جيداً دور اجهزة الامن في اختيار اعضاء قيادات الفروع والمرشحين لمجلس الشعب وللمواقع الحزبية والحكومية ولذلك فمن الظلم للحزب ولمناضليه ان يتهم حزب البعث بأنه كان يقود الدولة والمجتمع. كلكم يعرف ايها الرفاق دور الاقرباء في التدخل في شؤون البلاد وفي التسلط على الاجهزة الحكومية وعلى الناس دون ان يكون لاحد قدرة على محاسبتهم. هل كانت القيادة القطرية وفروع الحزب قادرين على ردعهم، وهل كان معظم رؤساء الحكومة غير ادوات لتنفيذ ما يأتيهم من اشقاء الرئيس وابنائه؟ وهل تغير الوضع في ظل رئيس النظام القائم؟. تعرفون كل ذلك ايها الرفاق وتعرفون ان لا صلة بين هذا النظام وبين حزب البعث العربي الاشتراكي بمبادئه واهدافه، فهو نظام عائلة استأثرت بالسلطة واحكمت الظلم والفساد ومن الاخطاء الكبرى للرئيس حافظ الاسد انه كرّس حكم العائلة فغلبت عاطفته مسؤولياته كرئيس للدولة وكان قراره بالتوريث تكريساً لحكم العائلة وخروجاً عن كل القيم السياسية والحزبية في سوريا. ايها البعثيون، ان وجود اعضاء في الحزب في مواقع السلطة والاجهزة الحكومية ليس لان الحزب قائد للدولة بل لاستخدامهم في تحقيق اغراض اصحاب النظام وستراً لاخطائه ووضعاً للمسؤولية على الحزب. علينا ان ندرك ان السلطة بالنسبة لأي حزب هي وسيلة لتحقيق اهدافه النبيلة وعندما تتحول السلطة الى هدف يصبح الحزب اسيرها واداتها عوضاً عن ان تكون اداته. عندما يصبح الحزب اداة للسلطة يرتفع صوت الانتهازيين ويتراجع دور المناضلين عليكم ايها المناضلون في حزب البعث مدنيون وعسكريون ان تناضلوا لتحرير الحزب من سجن السلطة والكفاح مع جميع القوى السياسية والاجتماعية والنقابية والثقافية والاقتصادية في البلاد لتحقيق التغيير واسقاط نظام مستبد فاسد في رأسه وفي قلبه وفي اطرافه ومن اجل بناء نظام ديموقراطي يضمن الحريات العامة والفردية ومبدأ تداول السلطة ويتمكن من معالجة أزمات البلاد ومحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين ورفع مستوى معيشة الشعب وتطوير التعليم والاهتمام بالأجيال واستعادة سوريا لدورها في حمل مسؤولياتها القومية والوطنية. تأملوا بامعان وبشعور بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية حالة البلاد ومعاناة شعبنا. فهل ناضل السوريون لتحقيق الاستقلال من اجل ان تتحول جمهوريتهم الى نظام عائلي مستبد وفاسد؟ هل ناضل آباؤكم وأجدادكم من اجل ان يحكمكم نظام زرع القتل دون رحمة في البلاد ونشر الجوع والخوف والقلق؟ لماذا عليكم ان تحملوا وزر نظام يتعارض مع مبادئكم وقناعاتكم وان تقبلوا ان يبني الشعب السجين نظاماً يقوده رئيس وأخوه وصهره وبعض افراد العائلة؟ فكروا بمستقبل البلاد بالمصير الذي يهددها في ظل استمرار هذا النظام. كونوا شجعاناً بالانضمام الى قوى التغيير. حرّروا الحزب من سلطة هي في طريق الانهيار وهي في اواخر ايامها، فالانتهازيون والمرتزقة حول النظام لن يستطيعوا حمايته لأن ليس للانتهازي والمرتزق قضية. لا يخدعكم رئيس يزعم انه يجابه الولايات المتحدة الأميركية، فأسألوه من يحاول ان يحميه أليس حلفاؤها وأصدقاؤها؟ يصعّد صراعاً خطابياً املاً منه ان يساعده ذلك في زيادة قبضته وتسلطه على البلاد تحت شعار من يكون ليس معه فهو مع الأجنبي. ايها المناضلون في حزب البعث، ان حديثي اليكم ليس جديداً حول رؤيتي لطبيعة النظام بل كان دائماً حديثي في مؤتمرات الحزب وآخرها في المؤتمر القطري الأخير كما في اجتماعات القيادة القطرية ومؤتمرات قيادات الفروع والمنظمات الشعبية كما اوضحت ذلك في حديث نشرته مجلة المناضل التي تصدرها القيادة القومية. ان ما كان يجمعني بالنظام خيط هو السياسة الخارجية وهذا الخيط انقطع بعد القرارات المغامرة لرئيس النظام لحالي الذي وضع البلاد في مركز دائرة الخطر. اما ما كان يبعدني عن النظام السياسات الداخلية ومنها الانفراد بالسلطة وتعطيل الحياة السياسية واغلاق الباب امام قيام نظام ديموقراطي وهروب من معالجة الأزمات الاقتصادية وقتل وسجن الناس دون حق وفي ظروف شتى. لقد وقعت اخطاء كبيرة في السياسات الداخلية افرزت المعاناة والخوف والضعف وتصدع الوحدة الوطنية وهذه السياسات كانت وستبقى موضع ادانة من قبلي ومن قبل كل المواطنين في الحزب والوطن. لتكن مناسبة ذكرى تأسيس الحزب مراجعة للرؤية وللمواقف ووضع فكر ونهج جديدين للحزب ذلك ان جمود فكر الحزب عند مرحلة لم تعد قائمة بعد انتهاء الحرب الباردة وبعد التطورات الكبرى التي شهدها العالم وتشهدها المنطقة يشكل خطراً كبيراً على الحزب وعلى استمراريته. فجمود الفكر دليل الشلل في العقل مما يورث التخلف والضعف ويوصل الى الانهيار واستمرار الجمود سيصيبه ما اصاب الأحزاب الشيوعية في الاتحاد السوفياتي السابق وفي أوروبا الشرقية. ان ربط النهج بالفكر المتحرر شرط اساسي لانطلاق الحزب لأن التناقض بين فكر متحرر ونهج مقيد يقود الى العجز. لتكن مناسبة تأسيس الحزب ايها الرفاق المدنيون والعسكريون حافزاً وطنياً في انقاذ البلاد من نظام فاسد ومستبد كان حزبكم ومبادؤه اولى ضحاياه. والخلود لرسالتنا. عبد الحليم خدام