عيسى المهنا (جريدة قاسيون)

أدت المنظومة الاقتصادية المتكونة خلال العقود الماضية في سورية إلى نشوء اقتصاد تائه بين الاقتصاد الاشتراكي والاقتصاد الرأسمالي مما انعكس على مختلف القطاعات الاقتصادية من جهة وعلى مكونات الاقتصاد الوطني وتقسيماته بين عام وخاص من جهة ثانية , اختلفت حصة كل من القطاعين الخاص والعام بالمساهمة في هذا الاقتصاد حسب المرحلة الزمنية والتي بدأت تميل لصالح القطاع العام مع تراجع القطاع الخاص في لعب دوره على الساحة الاقتصادية , ويضاف لذلك فقدان القدرة على تطوير نفسه والنهوض من جديد , و أخذ يتجه بالتالي نحو الحفاظ على نفسه من خلال التكيف مع المستجدات وفق المرحلة وطبيعتها فتقلص دوره من الفاعلية إلى التكتيك للحفاظ على النفس وتحقيق الربح وفق ضرورات البقاء والاستمرار ومنطق الربح السريع بغض النظر عن الطريق . وتبلور شكله وآلية عمله وفق سمات ظهرت نلخصها :

• ضعف قدرته الاقتصادي بعد الاستقلال وتركز دوره على الوساطة التجارية . • الحذر الشديد بعد التأميم في سورية وضعف طاقته الادخارية وقدرته الاقتراضية ( بسبب تأميم المصارف) فأصبح يعمل على قاعدة اضرب واهرب (إلى الخارج غالباً ) . • اتجهت أنشطته بعد زيادة حصة القطاع العام من الاستثمار إلى أعمال الوساطة بين مؤسسات القطاع العام والخارج سعياً وراء العمولات وأحياناً اتجه نحو القطاع الخدمي . • ابتعد القطاع الخاص عن المشروعات الكبيرة واتجه نحو المنشآت العائلية الصغيرة بدافع عدم اخضاع مشروعاتهم لضريبة الأرباح الحقيقية تسهيلاً لتهربهم من الضريبة من ناحية ولضعف الثقة بين الشركاء من ناحة أخرى . • عدم استجابة الحكومات إلى دعوات تعديل التشريع الضريبي باتجاه تخفيض معدلات الضريبة من جهة وتطبيق معدلات ضريبية تمايزية حسب أهمية فرع النشاط الاقتصادي ودوره من التنمية من جهة ثانية . (1)

أمام هذه السمات وبعد قانون الاستثمار رقم 10 كانت الحصيلة للقطاع الخاص جملة من المؤشرات الكمية والنوعية (اقتصاد المعرفة):

أ‌- نفذ حتى عام 2003 حوالي 445 منشأة صناعية يعمل فيها 19 ألف عامل يبلغ رأس مالها 65.6 مليار ل.س يعمل في المنشأة الواحدة وسطياً 42.7 عامل موزعين بين مهندسين , كيميائيين, صيادلة , إداريين , محامين , فنيين , حملة ثانوية , وعمال عاديين . ب‌- نصيب القطاع الخاص (رأس مال ) من الدخل القومي 65% حسب بعض التقديرات في حين لا يتجاوز نصيب الأجور عتبة 30% . ج‌- بلغ نصيب القطاع الخاص من ضريبة الدخل التجارية وغير التجارية 6%فقط في حين أن الضريبة على الرواتب والأجور فقط في حين أن الضريبة على الرواتب والأجور يتجاوز المبلغ الذي يدفعه القطاع الخاص (حسب بيان وزارة المالية المقدم إلى مجلس الشعب بشأن قطع حسابات الموازنة عام 2003) (1) د‌- استفاد القطاع الخاص من حجم الاقتصاد المعرفي المنتج من قبل الدولة خلال العقود السابقة على شكل كادر بشري مؤهل في جميع الاختصاصات والذي يعتبر مساهماً رئيسياً في أرباح هذا القطاع و تحملت الدولة بالتالي وحدها وبشكل عملي كلفة وأعباء إعدادهم. هـ - بلغت كلفة إعداد هؤلاء على نفقة الدولة وفق الاختصاص (دولار) كما يلي (2) :

صيدلة هندسة علوم اختصاصات أخرى ثانوي 29686 28423 25038 25739 7824

و- يتواجد في المنشأة الصناعية حوالي 7 مهنيين من حملة الشهادات الجامعية و10 من حملة الثانوية والباقي عمال عاديين: - وسطي كلفة إعداد حامل الإجازة 27221 دولاراً وحصة المنشأة الواحدة 7 من حملة الإجازة فتكون حصة المنشاة من هؤلاء 190547 دولاراً . - وسطي كلفة حامل الثانوية 7824 دولار حصة المنشأة منهم 10 من حملة الثانوية فتكون حصة المنشأة من هؤلاء 78240 دولار . هـ مما سبق نستطيع تقدير حجم اقتصاد المعرفة المساهم في كل منشأة على شكل رأس مال بشري : 190547دولاراً × 445 منشأة = 84,693,415 دولاراً 78240 دولاراً × 455 منشأة = 34,816,800 دولاراً المجموع 119,508,215 دولاراً

هذه المؤشرات الكمية تبين حجم اقتصاد المعرفة على شكل رأس مال بشري دون ان نحدد حجم المعارف المتراكمة والضمنية من خبرة ومواهب هؤلاء والتي يحددها علمياً معادلة منحني الخبرة(3) حيث أن نسبة ميل الخبرة تتناسب عكساً مع مدى الاستفادة من أثر الخبرة في تخفيض التكاليف الإنتاجية , وهنا يأخذ رأس المال البشري دوره كعامل أساسي . واللافت هنا أن معظم المشتغلين في القطاع الخاص كانوا يعملون في قطاعات الدولة المنتجة الصناعية وخبرتهم لايمكن حصرها ولكنها بدون شك تتجاوز كلفة إعدادهم بكثير وتتحول كلها في الموقع الجديد والأرضية الممهدة (منشأة القطاع الخاص ) لصالح الإنتاج والربح العالي . إن ما يوظفه القطاع الخاص للاستثمار في سورية من خلال الـ 445 منشأة صناعية ليس فقط 65.6 مليار ل.س ( ما يعادل 1.238 مليار دولارأً) بل يضاف لها 119,508 دولاراً كلفة رأس المال البشري وبالتالي يصبح راس مال هذه المنشآت 1.3575 مليار دولار حصتها من الدخل 65% ولابد هنا من إعادة توزيع دخل القطاع الخاص على المساهمين المهملين في الحسابات (اقتصاد المعرفة ) . إن ضعف حجم الضرائب المدفوعة منخفض جداً (6%) عند مقارنته مع الدخل العالي غير المتكافىء بين الأطراف المعنية ويعكسه عدم الاهتمام بتكوين وتدريب وإعداد المهندسين والفنيين اللازمين لتشغيل واستمرار المشروع وعدم سعيه لتأسيس مراكز بحث اقتصادية أو صناعية تدعم وجوده وتكوينه واستمراره الاستراتيجي وتسمح له بالتواصل مع متغيرات العالمية وفق محور الزمن . كما أن عدم المساهمة الفعالة للقطاع الخاص الصناعي وغير الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي يعيق العملية الإنتاجية والدورة الاقتصادية اللاحقة عبر الاخلال بمعادلة الدخل الاستهلاك التراكم .

إن المسؤولية لما آلت اليه الأوضاع الاقتصادية الراهنة تقع على عاتق كلا الطرفين الحكومات التي ظنت أنها ستبقى قادرة على تلبية الحاجات والنهوض بالاقتصاد , والقطاع الخاص الذي تعامل بفردية ورد فعل سلبي ووضع هدف الربح الآني على حساب بقائه المستقبلي واستمراره في المنافسة القادمة التي أصبحت قريبة ووشيكة وحتمية وتهدد بتلاشي وجود هذا القطاع ,وأحد مؤشراتها التكتلات الاقتصادية الكبيرة على مستوى العالم وتوقيع الأحرف الأولى من الشراكة السورية الأوربية أي أن القطاع الخاص الصناعي وغير الصناعي يسير بحتمية نحوالتلاشي وفقدان الدور الوجودي والوطني له مع المتغيرات العالمية وغياب الاستراتيجية والرؤية التي تحتم التضحية بجزء لابأس به من المكاسب المادية والمعنوية لدخول الدورة الاقتصادية بشكلها الجديد .

إن ضرورة إعادة التوازن بين علاقة العام بالخاص على الصعد عامة وعلى مستوى الاقتصاد المعرفي خاصة يمكن القطاع العام المنتج الاساسي للمعرفة أن يستعيد ولو جزءأً من مساهمته ليبقى قادر على تزويد كل الأطراف المعنية بحاجاتها ومتطلباتها بشكل دائم وبالمقابل يترتب على القطاع الخاص المستفيد من هذه المعرفة أن يعيد ولو جزءاً منها إلى القطاع الأول المنتج لها للانطلاق نحو المرحلة المتقدمة من العلاقة لتحقيق التوازن بين خصوصية كل من القطاعين من حيث المدخلات والمخرجات بحيث لا تميل لطرف على حساب الآخر ويهدد بالنتيجة الطرفين في وجودهما .

9/4/2006

المراجع : 1- حبيب , مطانيوس قراءة في القطاع الخاص , ندوة الثلاثاء الاقتصادي الثامنة عشرة حول التنمية الاقتصادية الاجتماعية في سورية 29/3/2005 , جمعية العلوم الاقتصادية. 2- هجرة الكفاءات والعقول العربية ,معهد التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بدمشق ,2004. 3- الأساليب الحديثة في التسويق , سلسة الرضا للمعلومات .