نجيب نصير

تقول الحكاية: ان ثلاثة أشخاص احدهم عربي كانوا في رحلة صيد واستجمام في إحدى الغابات العذراء، وقعوا أسرى اناس غير متحضرين وفرضوا عليهم انتقاء عقوبتهم من بين ثلاثة احتمالات: الأول: دفع مئة دولار.

الثاني: تناول كيلو واحد من الملح كوجبة طعام.

الثالث: الموت.

وبدأوا الرقص حولهم تعبيراعن جدية الحالة وخطورة المآل، فما كان من الاول وهو بالمناسبة قد يكون ياباني او كوري او حتى ماليزي،إلا أن سارع وقدم مئة دولار فأطلق سراحه ، أما الثاني وكان اوربيا من اوربا الموحدة (شينغن او ماسترخت لا أدري) فاجتاحته موجة تفكير عارمة لفترة قصيرة ولكنه توصل الى قرار يبدو منطقيا فهو لايحمل الا اليورو في جيوبه فاستدان من العربي مئة دولار وقدمها للهمج فأطلق سراحه ،وحان دور العربي الذي اكتشف انه مظلوم ولن تمر عليه هكذااحابيل، فأطلق تحديه العظيم .. أريد أن آكل الملح …. وافق الهمجيون على خياره وقدموا له طبقا من الملح وعادوا إلى طقوسهم … بعد عدة مضغات من الملح استسلم العربي قائلا اقتلوني فلست بقادر على أكل الملح، فشرع الهمج بقتله ولكن للموت رهبة ، ومن المنطق ان يخافه المرء خصوصا اذا اتى متمهلا محمولا على تصرفات عنيفة وغير رحيمة وتنم عن عدم الدلال احتراما للموت على الاقل ، حتى ان احدهم (الهمج)صفعه ونهره وربما قال في حقه الفاظا فاحشة او لمسه من اماكن منافية للحشمة، وهنا وبالذات هنا قرر العربي ان ينهي هذه المهزلة ويدفع المئة دولار وينصرف، شاتما ( في سره طبعا ) شاكيا (في علانيته وايضا طبعا)سوء حظه من هذا العدو القاسي ، ومن عدم تقديره للقيم التي يتحلى بها عندما اختار اكل الملح او الموت ، وفرحت القبيلة الهمجية فقد مارست طقوسها وانتصرت وربحت مئة دولار.

هل تذكركم هذه الحكاية بشيء؟ أنا شخصيا تذكرني بسياسة البلدان العربية الداخلية منها والخارجية ، من العراق الى فلسطين الى ليبيا وحاليا السودان الخ الخ الخ .

يا عمي انسحب من الكويت … لا .. سألقن العالم درسا ، يا أخي حل ازمة دار فور … لا يوجد شيىء في دار فور الا الوحدة الوطنية ، وماذا عن طائرة البان اميركان … لا يوجد شركة طيران بهذا الاسم ولا يوجد طيران من اصلو ..واسألوا الشعب الليبي ، يا شقيقي فهمنا عملت اسلو المجحفة على اكثر من صعيد ..طيب اسس دولة حديثة تقلع فيها عيون العدا … وماله تراثنا اعطانا العبرة عن السلطان العادل الذي يوزع الثروة والنفوذ بعدله المشهود .. فيه.

وماذا بعد هنا وهناك هل نذكر استخدام الدين في السياسة ونتائجاها من مذبحة الاقصر الى غزوة البرجين ، ام نذكر الفساد والافساد ومراكز القوى ، ام صفقات تهريب الفلاشا أم ماذا ؟ دفع العراق ( الدفع واجب الاوطان وهو غير القبض ) ثمن تحرير الكويت وثمن القنابل التي القيت عليه ، ودفعت ليبيا ثمن كل برغي في طائرة البان امريكان وثمن كل قطعة ثياب داخلية وثمن كل دمعة انهمرت او لم تنهمر حزنا على قتيل او جريح مع التعويضات التي تحسب كمتوالية حسابية او هندسية ، واليوم دارفور والجدار العازل والوحشية الاسرائيلية التي لن يفيد معها اي تنديد او فضح او حتى قرار من محكمة العدل الدولية ، ما يضيف ثمنا من البهدلة والاستباحة بسبب الاستضعاف ، الناتج عن الخطأ المنطقي المكشوف للجميع ، حيث لا يمكن للخطأ السياسي ان يمر دون ثمن وعادة ما تدفعه الشعوب والاوطان ، ويبقى المخطئون بمنأى عن اي حساب ذاتي او شعبي،او حتى مراجعة للذات تتكىء الى مقولة الرجوع عن الخطأ فضيلة.

الخطأ السياسي بالمقاييس المعاصرة هو خطأ تأسيسي داخليا كان ام خارجيا، مصيبته الكبرى على المخطىء انه يشرع ابواب الذرائع على مصاريعها للتدخل او الكسب المشروع او غير المشروع.

عند سؤال اي مسؤول امريكي عن حق امتلاك الاسلحة النووية ،لماذا هو مشروع للصهاينة وغير مشروع للعراقيين ؟ يبادر بلا تلكؤ ليقول ان اسرائيل ديمقراطية، فهل يجرؤ احد على قول ان صحة العراق السياسية عال العال، انها ذريعة بلا شك ، واعتدائية وليست في مكانها وهي اجابة على سؤال مختلف، واسرائيل عنصرية وهي صفة أشنع من الاستبداد أو مثله على الاقل ، لك هذا لاينفي ان الذريعة استخدمت والعراق محتل الآن ويدفع ثمن الاحتلال من جيوب ودماء شعبه ، فعلام كل هذه الأثمان … فقط لكي ..