ظلت مأساة صدام حسين، اولا واخيرا، انه اراد حاشية لا مستشارين. وقد اجرى العسكريون الاميركيون بعد الحرب دراسة سرية حول طباعه، بدأ يتسرب شيء منها الان، وهي تصف رجلا ضعيفا خائفا لم يعد يصغي في الأيام الأخيرة إلا إلى ولديه. وكلاهما كان مشكوكا في قدراته ومعرفته. لم يكن احد يجرؤ على ان ينقل اليه الحقيقة، او شيئا منها. ولذلك فيما كانت بغداد تسقط أمام الاميركيين كان وزير الدفاع يبرق الى رئيسه مؤكدا ان العلوج والاوغاد يلقون الهزيمة بعد الاخرى.

ولم يكن صدام يثق بأحد حتى جنرالاته. وقد اخفى عنهم جميعا حقيقة انه لا يملك اسلحة نووية، خوفا من ان يتسرب الامر الى ايران. ومنع العسكريين الكبار من التحدث الى احد. وقطع عليهم خطوط الاتصالات مخافة ان يتورطوا في انقلاب عليه. واصبح الانقلاب هاجسه، فلم يعد ينام. وعندما ينام نوما متقطعا يحوّل احلامه الى اوامر عسكرية يوزعها على الجيش. وشهد سكرتيره الجنرال عبد حميد حمود ووزير خارجيته طارق عزيز ان صدام اصبح في الاونة الاخيرة مثل «الملك لير» في مسرحية شكسبير التي تحمل هذا العنوان. وتحكي المسرحية قصة حاكم لم يعد يثق بأحد في أيامه الاخيرة بعدما خاب امله في بناته اللاتي وزّع عليهن مملكته. ويموت لير وحيدا وغاضبا فيما تتنازع المصائب عائلته. ويقول الاقربون الى صدام ان حالته لم تكن طبيعية. وقد سمعت من سياسيين شديدي الاطلاع ان طارق عزيز حاول الاعتراض على غزو الكويت ومضاعفاته، وكاد هذا الموقف يودي بحياته.

كنت اقول لصديق سياسي احببته وأملت بطاقاته: الحاشية تؤذيك وفي ظنها انها تحبك. المحبة العمياء مثل العداء الاعمى. ولذلك أمنيتي عندك وتمنياتي عليك، ان توظف اثنين او ثلاثة من المستشارين الذين توكل اليهم مهمة واحدة: الاعتراض وتقديم مبرراته. كثرة التطبيل حول الحاكم تؤدي الى خلل شديد في شخصيته وفي طبيعة الحكم. وصدام حسين وضع في يده كل شيء: السياسات المالية والسياسات التربوية والاوقاف والحرب والارواح والنفط. وفي كل هذه القضايا اراد ان يسمع شيئا واحدا: التمجيد. وجعل كل ساعات التلفزيون له وكل بث الاذاعة له وكل حبر الصحافة للتهليل لحكمته. ولم يدرك ان هؤلاء جميعا يساهمون في ايصاله الى حيث هو اليوم.