بات واضحاً ومعلوماً من الجميع ان سوريا دخلت بقوة على الخط بين القادة المتحاورين لافشال جلسة الحوار المقبلة وذلك بجعل حلفائها في لبنان يستبِقون هذه الجلسة باعلان تأييدهم بقاء الرئيس لحود في منصبه حتى نهاية ولايته وعدم تخلي المقاومة عن سلاحها حتى بعد تحرير مزارع شبعا والاحتفاظ بهذا السلاح ليكون جزءاً اساسياً في اطار استراتيجية دفاعية عن لبنان ضد اي عدوان اسرائيلي... وما كشفه الامين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، عن رفضه عرضاً قدّم اليه يقضي بانسحاب اسرائيل من مزارع شبعا وعودة الاسرى اللبنانيين من السجون الاسرائيلية في مقابل التخلي عن السلاح، يدل على ذلك.

ولا تكتفي سوريا بمحاولة افشال جلسة الحوار المقبلة، بل تعمد الى عرقلة تنفيذ ما تقرر بالاجماع في مؤتمر الحوار، فأوعزت الى الامين العام للجبهة الشعبية – القيادة العامة احمد جبريل بأن يقول في دمشق غير ما قاله في بيروت بعد لقائه مسؤولين وسياسيين لبنانيين فيدعي ان البحث مع الرئيس السنيورة تناول حق تملك الفلسطينيين في لبنان وربط موضوع السلاح في المخيمات بتأمين الخدمات الانمائية والانسانية للفلسطينيين وذلك بهدف اطاحة مساعي معالجة الوضع الفلسطيني في لبنان وابقاء السلاح المتفلت من اي انضباط في ايدي الفلسطينيين رهن اشارة سوريا. وقول وزير الخارجية السورية وليد المعلم ان لا حاجة الى ترسيم حدود مزارع شبعا كما لا حاجة الى اقامة تمثيل ديبلوماسي، لان ما بين لبنان وسوريا من مؤسسات اهم بكثير من السفارة... فهل يعني ذلك ان القرارات التي اتخذت حتى بالاجماع في مؤتمر الحوار ستبقى من دون تنفيذ لان سوريا تعرقل ذلك بواسطة بعض حلفائها وان لا مصلحة لها في توصل المتحاورين في الجلسة المقبلة الى اتفاق حول موضوعين مهمين ومعنية بهما وهما مصير الرئيس لحود وموضوع سلاح المقاومة، فيعلن المتحاورون بعد انتهائها انه لم يتم التوصل الى اتفاق على ان تستمر اللقاءات الثنائية في السعي الى التوصل الى اتفاق بدون تحديد مهلة، او يعلن ان الحوار فشل حول تقرير مصير الرئيس لحود ويستمر البحث في موضوع سلاح المقاومة، ويصبح لدى كل طرف في الحوار حرية التعاطي والتصرف حيال الازمة الرئاسية؟

لقد حذّر رئيس كتلة تيار "المستقبل" سعد الحريري من محاولات لتعطيل نتائج الحوار الوطني وقال ان هناك اشارات سلبية بواسطة وسائل الاعلام تستهدف النيل من نتائج الحوار وبدأ الكلام يتكاثر عن اعتراض سوري على تحديد مزارع شبعا والاعتراف بلبنانيتها، وكلام على تمديد المهل المتعلقة بمعالجة السلاح الفلسطيني وعلى وضع عقبات وشروط مسبقة على زيارة الرئيس السنيورة لدمشق وكذلك على موضوع التبادل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا، في محاولة لاعادة الحوار الوطني الى نقطة الصفر والالتفاف على كل ما تحقق. ونبّه الحريري كل القيادات المعنية بالحوار الى ذلك، وإلاّ "فإن جلسة 28 نيسان ستكون امام حتمية اعادة طرح كل المواضيع وتحميل اي جهة مسؤولية العرقلة سواء في الداخل او الخارج".

ويقول قطب من اقطاب المتحاورين ان موضوع رئاسة الجمهورية هو موضوع مفصلي، فإذا لم يتم الاتفاق على تغيير الرئيس لحود وانتخاب رئيس جديد خلفاً له سواء بالتوافق او بتصويت الاكثرية النيابية المطلوبة حسماً لكل خلاف على اختياره، فإن الوضع في لبنان سوف يزداد تعقيداً في كل المجالات السياسية والاقتصادية والمالية وربما الامنية، لان الرئيس لحود لن يسهل اقرار اي مشروع او حل في اي مجال، فيربط على سبيل المثال، بالاتفاق على حلفاء سوريا، تحقيق الاصلاح الاقتصادي بتحقيق الاصلاح السياسي والاداري والقضائي، او يطلب بعضهم مشاركة جميع القوى السياسية في مناقشة الورقة الاصلاحية بحيث لا يقتصر ذلك على مجلس الوزراء الذي لا تتمثل فيه كل القوى لا سيما منها العماد ميشال عون، وانه نظراً الى اهمية هذه الورقة فإن اقرارها يحتاج الى توافق وليس الى تصويت الاكثرية عليها في مجلس النواب، وهي اكثرية مضمونة بفعل نتائج الانتخابات النيابية.

لذلك فإن سوريا هي التي دعت مع من تبقى من حلفائها في لبنان الى عدم حصر الازمة برئاسة الجمهورية بل بالحكم كله لتجعل التغيير يشمل رئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس النواب. وهذا ما جعل هؤلاء الحلفاء يصرون في جلسات الحوار على اعتبار الازمة ازمة حكم وليست ازمة رئاسة فقط.

وبما ان فريقاً من المتحاورين يعتبر ان اصل العلة هو في رئاسة الجمهورية ويضغط في اتجاه انتخاب رئيس جديد تنطلق معه عجلة الحكم في كل المجالات ويتحقق معه التغيير الكامل، فإن الفريق الآخر يرى خلاف ذلك، ويدعو الى بقاء الرئيس لحود في منصبه حتى نهاية ولايته اذا لم يتم اتفاق على انتخاب خلف له، وان لا يقتصر التغيير على الرئيس لحود بل ان يشمل الحكومة ومجلس النواب ايضاً، وبما انه قد يكون متعذراً الاتفاق على مرشح للرئاسة الاولى، فإن الرئيس لحود يبقى في منصبه ويستمر الوضع عندئذ على حاله من التردي ويكون الوقت كافياً خلال ما تبقى من ولايته لترحيل حكومة السنيورة تحت ضغط النقمة الشعبية على تردي الحالة الاقتصادية والمالية والمعيشية التي تتحمل هذه الحكومة وحدها تبعة العجز عن معالجتها، حتى اذا ما اضطرت الى الاستقالة، فإن حكومة جديدة تخلفها يكون فيها لسوريا وللرئيس لحود اكثرية تدير بها شؤون البلاد على طريقتها وتمهّد لعودة الهيمنة السورية على لبنان...

ويتساءل القطب المحاور: ما معنى ان يعلن اكثر من مسؤول في "حزب الله" واستباقاً لجلسة الحوار في 28 نيسان الجاري ان الرئيس لحود سيكمل ولايته حتى اليوم الاخير ويجاريهم في ذلك سائر حلفاء سوريا في لبنان حتى ان رئيس حزب الكتائب كريم بقرادوني كان له موقف قريب منهم بقوله: "ان الحل الوحيد لتنحية الرئيس لحود هو في ايجاد الاسم التوافقي ليحل محله" مع العلم انه قد يصعب التوصل الى هذا التوافق حتى داخل الحزب الواحد. فكيف مع احزاب وتيارات عديدة ومتعددة، وكان المطلوب بوضع هذا الشرط التعجيزي تأمين بقاء لحود في منصبه حتى نهاية ولايته خدمة لمصالح سوريا واهدافها وخدمة لاهداف حلفائها في لبنان ايضاً ومع العلم ايضاً ان التوافق لا يتم غالباً الا على مرشح ضعيف يجعل الناس يترحمون على سلفه، وليس صحيحاً بالتالي ان التوافق هو الذي كان يتم في الانتخابات الرئاسية، بل كان التنافس الشديد هو الذي يتم بين المرشحين الاقوياء زمن الممارسة الديموقراطية "وليس زمن الوصايات التي كانت تفرض هذا التوافق.

ويذهب الغلاة من حلفاء سوريا الى حد القول ان الازمة الرئاسية قد تستمر حتى بعد انتهاء ولاية الرئيس لحود اذا ظلت قوى 14 آذار ترفض إلا ان يكون الرئيس المقبل من صفوفها. وتبقى قوى 8 آذار تواجهها بتعطيل نصاب جلسة الانتخاب...

الــواقــع ان الــمــعــركة الــتــي كانــت قــد بــدأت بيــن قــوى 14 آذار وقــوى 8 آذار حول الوجــود العســكري السوري في لبنان وانتهت بزوال هذا الوجود، تتجدد الآن بينهما. فقوى 14 آذار تريد استكمال معركة استعادة السيادة والاستقلال وإحداث التغيير الكامل وذلك بانتخاب رئيس جديد بديل من الرئيس لحود، بينما تريد قوى 8 آذار الابقــاء على الرئيس لحود او انتخــاب خلف له يكون امتداداً لعهده من اجل تأمين عودة الهيمنة السورية الى لبنان من خلاله...