«إنه لشرف لي أن أنتهز فرصة الاحتفال بالمولد النبوي, لنعلن أنّنا استكملنا دورة الوقود النووي من خلال تخصيب اليورانيوم». قالها محمود أحمدي نجاد صراحة دون مواربة, وكان الإعلان على مستوى التصعيد, فالمناسبة مباركة دون شك, انتهزها نجاد لإحاطة العالم علماً بما حققته إيران نووياً, التماساً للبركة والشفاعة من جانب, ومن جانب آخر تأكيداً لاستمرارية الصمود والتحدي. أما العالم المذعور من النووي الايراني, فلا بد أن تقفز الى ذهنه, إحدى الرسوم الدانمركية السيئة الصيت, التي تظهر عمامة النبي على شكل قنبلة نووية, ولا نظن أن هذه الصورة غابت عن ذهن نجاد لدى صيغته لرسالته الملغومة الى المجتمع الدولي, وعلى الأرجح تعمد أن يأتي إعلانه مشفوعاً بمناسبة دينية إسلامية جليلة, كما تعمد ظهوره في صورة تلفزيونية مرسومة بدقة, احتل جسده الضئيل الرابض وراء المنصة زاوية الصورة, فيما انفرد على الخلفية فضاء ازرق تحلق فيه حمامة سلام عملاقة؛ فيما يشبه القول: إن السلام هو الأساس الذي يقوم عليه برنامج إيران النووي, وهو ما لا تريد أميركا والمجتمع الدولي تصديقه, ليس لأن لديهم معلومات تؤكد عكس ذلك, وإنما لأنهم لا يريدون عضواً جديداً في نادي المسيطرين على العالم.

بلا شك سيفرض امتلاك إيران للتقنية النووية شروطاً مستجدة على اللعبة الدولية, تمنع تجاهل مصالح إيران وحلفائها, رغم أن نجاد لا يظهر رغبة بإقناع أميركا والغرب بطيب النيات الإيرانية, ويصر على استخدام اللغة ذاتها التي يستخدمونها لمخاطبتهم, لغة القوة والتهديد والوعيد, حتى في حديثهم عن سلام لا يخفي الاستعدادات لحرب استباقية مدمرة. وها هو نجاد يعلن أمام العالم باسترخاء وبصوت مفعم بوداعة الايمان, أن بلاده تريد السلام, وأن شعبه متحضر, يريد الاستقرار على أساس العدالة للبشرية جمعاء, وأن قوة بلاده النووية قوة سلمية؛ ألا تُعد هذه المفردات الدواء لأصل الداء في حروب أميركا التوسعية؟ أي السلام والاستقرار والعدالة البشرية... مع فارق في الاستخدام بين الهجومي والدفاعي, ومن نافل القول إنه مثلما الهجوم يتطلب الدفاع, النووي يستجر النووي.

مع هذه المناسبة التي طيرت صواب العالم «المتحضر», يحق لسوريا أن لا تعطي فرحتها لأحد, فبعد عام كامل من التهديد والوعيد, ودعايات تداعي النظام, والانهيارات الوشيكة, جاء الإعلان الإيراني ليثبت أن سوريا لم تخطئ في اختياراتها بتشكيل جبهة الممانعة ضد التعنت الأميركي الإسرائيلي, إذ تغدو المقاومة خياراً وحيداً يفرضه تعنت الأقوياء وصلفهم, حين يتعاملون مع العالم كشرطي فاسد ومفسد.

يحق لسوريا أن ترحب بالنووي الإيراني لأنه الوحيد القادر على إثبات أن الأمور ليست سيئة على النحو الذي روجته الدعاية السياسية المضادة لسوريا, وأن التحالف مع ايران «نجاد» لم يكن خطوة انتحارية كما صورها البعض, بل خياراً محسوباً, لمعادلات لا بد ستفرض نفسها لاحقاً على كافة الأطراف سواء كانت ضمن محور الرفض والممانعة أم ضمن الأطياف المستظلة بالمشروع الأميركي. الممانعة المدعومة نووياً مهما كانت خطرة, تَعِدُ بتوازن في منطقة كانت الهيمنة النووية فيها حصراً لإسرائيل, وتجعل الأرض أكثر صلابة تحت أقدام المدافعين عن الأوطان, عدا عن فوائدها الجمة في تنقية مجاري السمع الأميركية والأوروبية, لتصبح أكثر قدرة على التقاط صوت الرصاص الإسرائيلي وهو يصطاد أطفال غزة بوحشية سافرة, ومن شأن النووي أن يزيل بعضاً من الغشاوة عن عيون المجتمع الدولي, ليرى بوضوح أي حرب شنيعة مريعة تدور رحاها في العراق بحجة إسقاط النظام, بينما صدام حسين يغتسل من جرائمه في محاكمهم «العادلة». وربما وحده النووي, سيبتدع مفارقة مضادة لفوضى شعائر الحروب الأميركية في العالم, عندما سيخلي فضاءً واسعاً لحمائم سلام, غير مجردة السلاح, ليحلق معها صوت الحق الإنساني, ويعلو مخترقاً جدران التخاذل الدولي.