من البعيد ، تلوح لك الاصوات وجوه وعيون تلمع في فضاء المكان . يمحا بعضها كأنه لم يكن ، كأنك ما عرفته يوما ويتجوهر بعضها فاذا به اقرب اليك مما كان في القرب . يتجرد الاشخاص من كل هالاتهم ، تلك التي اسقطتها عليهم حبا او كراهية ، وتراهم كما هي نفوسهم العارية . فجأة اقفل الهاتف ، بعد دردشة اضافية مع غابي لطيف ، وابحر فيما كنا نقوله عن جريدة الدستور . فاجأتني المذيعة العريقة وانا على باب البيت ، قالت لي ساطلبك بعد نصف ساعة لنتحدث عن الدستور ، لم افكر اطلاقا بما ساقول ، لانني لم اكن اعرف عما ستسأل ، ولكنني استلقيت على الكنبة ورحت استعرض خمسة عشر عاما من العمر ..يا الهي كم كبرنا !!

كم من الوجوه التي غابت عن الحياة ، وكم من التي غابت عن الذاكرة ، امحت ، وكم من اخرى - قليلة، تقفز الى الذاكرة كأنها لم تفارقها حتى ولو غادرت الى الموت ام الى البعد تقفز الى الذاكرة ، بل من الذاكرة الى اللسان وتجيب بنفسها وبدون استئذان عما تعنيه لك مؤسسة هي البيت وهي النافذة وهي السقف عبر كل هذه الاعوام . وتقول بان المؤسسة هي الناس ، بعض ناسها ... وهي لك انت ، القراء كل القراء الذين تحمل انت الدستور اليهم كل صباح وتحملك هي اليهم كل صباح ، ليتمتن اكثر ذلك الجسر الجميل الذي تكبر به الجريدة وتكبر انت ، في عملية عطاء متبادلة لا خيار فيها . تكتشف من سؤال ، انك لم تفكر يوما فيما شدك الى هذه المؤسسة رغم فرص التغيير ، ولماذا تعتبرها البيت والاصل رغم انك تكتب في خمس سواها .

لا لان مقالك فيها يومي وهناك اسبوعي ، ولا لانها الاكثر جزاء ماليا ، ولا حتى لانها الاقدم . بل لانها ، وببساطة كبرى تمثلك ، مهما شكوت احيانا من اشياء . ولان مهنيتها العالية وخطها السياسي والاخلاقي يقنعك ويرضيك ، ولان العلاقة بالقائمين عليها مشحونة دائما بذاك الرذاذ من الرقي الذي لم يخدش لك جناحا طوال عمر التجربة. يا الهي كم كبرنا !! كم تعمق فينا الحنين والحنان ! كم نكتشف كل يوم ان الانتماء لشيء لناس لبيت هو امر ضروري للتوازن !