بير رستم

هل انتهينا حقيقة من عصر وأزمنة الانقلابات على السلطة ورفاق الأمس؟ وهل فعلاً نحن السوريون تجاوزنا حقب البلاغات العسكرية وصوت المذيع السوري وهو يتلو على مسامع آبائنا بل أجدادنا أسماء حكومة "الثورة"؛ كون آخر انقلاب عسكري ومدعم بالدبابات والبلاغات العسكرية، كان على زمن الأجداد وليس الآباء. هذه الأسئلة وغيرها راودتنا في الفترة الأخيرة وخاصة عندما أعلن السيد عبد الحليم خدام من منفاه في باريس "تمرده" على الأسياد والرفاق السابقين؛ أسياده في دمشق. وها هو اليوم "رفيق" آخر يشق عصا الطاعة "ويتمرد" على سيده ورفيق نضاله ويتحفنا ببيان أو بلاغ رقم (1) لا فرق فالعقلية واحدة والمغزى واحد.

إن الأستاذ نوري بريمو؛ عضو اللجنة السياسية في حزب الوحدة الديموقراطي الكوردي – يكيتي – وأخيراً، ضرب بكل الموازين والأعراف والبروتوكولات والقرارات الحزبية بعرض الحائط بعد أن "طفح الكيل وبلغ السيل الذب" كما يدعي هو وليس نحن. إن "تمرد" السيد نوري – على الرغم إنه يود أن يعلنها انشقاقاً، تماماً كما فعل من قبله السيد عبد الحليم خدام – يشبه إلى حد بعيد، وإن اختلفا بالدرجات على سلم ريختر للاهتزازات السياسية في الشرق الأوسط، "تمرد" هذا الأخير وذلك بعد أن لفظه أسياده السابقين وتأكد بأن لا نصيب له في "الكعكة الجديدة". فالاثنان شاركا هذه القيادة ولمدة ثلاثة عقود ونيف في رسم سياسة هذه الجهة أو تلك وكل من موقعه ولكل حسب حجمه وإمكانياته.

وها هما الآن وبتوقيت جد متقارب يعلنان "تمردهما"، لا بل يلوحان بأوراق التوت ويكشفان – العورة – المستور والمخفي، لعلهما يكسبان جولة في هذا السباق الماراثوني نحو الزعامة والقيادة. فكلاهما يعلنان بأنهما خدما الحزب والقيادة و"الشعب" كجنديين مجهولين وفي أكثر الأحيان كانا يتغاضيان عن أخطاء القيادة خوفاً على وحدة الحزب وسلامة البلد ولكن وبين ليلة وضحاه يكتشف كلاهما بأن هذه القيادة قد أودت بالبلاد والعباد إلى حافة الهاوية، فها هم رفاق السيد خدام – ودون أن يتحمل هو وزر تلك المرحلة – قد أودوا بالبلد إلى حد الكارثة في مسائل الفساد والقمع وحتى جرائم الاغتيال السياسي؛ اغتيال رفيق الحريري وها هو الآخر؛ الأستاذ نوري بريمو يتهم رفيق الأمس عدو اليوم بأنه؛ "المدسوس بدهاء (كما عصابة الكفّ الأسود) وسط حركتنا الكوردية منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماُ...!؟، عمل خلالها بشكل خفي على إختلاق مختلف الإنشقاقات والفتن والأزمات بين أحزاب وفعاليات مجتمعنا...!". وذلك دون أن يجيبا على سؤال جد بسيط ربما يبادر إلى ذهن المواطن السوري عموماً والكوردي في الحالة الثانية؛ ما كان دوركما في تلك المرحلة.

لا يعرف عنا إننا محامو "الشيطان"، ولم ولن يوكلنا أحد من أقطاب الطغيان للدفاع عنه؛ لأنه وبكل بساطة ننتمي إلى الضفة الأخرى. ولكن لا نريد أن نخدع للمرة الثانية؛ الأولى عندما كنتم في موقع المسؤولية وكنتم تدافعون عن هذه الرموز الحزبية بل ها هو السيد نوري بريمو يقول: "أنني قد أفنيت كل سنوات عمري خدمة للحزب وقدّمت له مختلَف التضحيات الصحية والمالية والمجتمعية". فالذي يفني كل سنوات عمره مدافعاً عن الحزب والقبيلة لا بد إنه كان يدافع عن زعيم القبيلة والحزب أيضاً، بل يا سيدي كنتم تضربون وما زلتم بسيوف القبيلة وتدقون أعناق أبناء القبائل الأخرى، وفقط إن تطاول أحدهم ونال من الزعيم بشيء. فما الذي غيركم من حال إلى حال؟.

وهذه الثقافة؛ ثقافة "لعن الإبليس"، أي طرده من الجنة بعد أن رفض السجود لآدم وهو الذي كان كبير الملائكة، ليست حكراً عليكما أو على قبيلتكم – حزبكم، بل هي جذر المشكلة في هذه العقلية المأزومة، إنها أزمة فكرية وبنيوية في العقل الأحادي – الاستبدادي فإما أن تخضع لكل القرارات والفرمانات أو عليك "اللعنة". فكما المؤمن في الإسلام يعبد الإله الواحد الأحد ويخضع لإرادته بطاعة عمياء ودون أن يراود ذهنه أي أسئلة تتعلق بجوانب الشك من مسائل العبادات والخضوع والخنوع، ناهيك عن مواضيع الخلق والوجود والكون. فإن الرفيق – المؤمن كذلك عليه أن ينفذ أوامر الإله – الزعيم الأوحد دون نقاش وليس اعتراض. هذه هي أساس العلاقة بين السيد والعبد ومفهوم العبودية كما مفهوم الديموقراطية لا يتجزأ؛ فالذي يقبل أن يكون عبداً لفكرة أو إله سيقبل أن يكون عبداً لزعيم قبلي أو سياسي – حزبي. فإذا أردنا حقيقة أن نتخلص من هكذا طغيان وزعامات لا يكون الحل أن نبدل أحدهم بآخر وبالتالي تستمر آلة السلطة في إنتاجها للاستبداد والإقصاء وقطع الأعناق.

المسألة الأخرى والتي نريد التأكيد عليها هي؛ أنه ومنذ أن عرف الإنسان "فضل القيمة" بدأ المجتمع بالخروج من الحالة الأمومية – المجتمع الأمومي- الإحتضاني إلى ما يعرف بمجتمع الطبقات؛ فهناك العامة والخاصة، السيد والعبد. وفي السياسة والتي هي أحد تجليات البنية الفوقية للمجتمعات، هناك اثنان يعملان في السياسة؛ الأول وهم الخاصة – طبقة النبلاء الجدد – أو ما يمكن أن يعرف "بمحترفي السياسة"؛ ويتمثل في الزعيم أو السكرتير العام – ومن الأفضل أن يسموه السكرتير الخاص، وهذا اقتراح للحركة السياسية الكوردية بأن يغيروا أسماء سكرتيرياتهم من العام إلى الخاص – وأيضاً جماعة الزعيم الخاصة من الصف الأول وبعض ممن هم في الصف الثاني، والذين هم من جهة أداة رقابة وتجسس الزعيم على من هم في الصف الأول، ومن جهة أخرى هم المرشحون والبدائل لاحتلال مقاعد الصف الأول والمهددون بهم دائماً وأبداً.

فهؤلاء أي المنتمون إلى الصفوف الأولى وأولهم الزعيم بالطبع، يمارسون السياسة على أنه لا أصدقاء ولا أعداء دائمون، بل هناك مصالح دائمة وما مسائل الفكر والمبادئ والنظريات والرفاق والمريدين والجماهير إلا وسائل وتكتيكات في خدمة إستراتيجية هذه المصالح، مصالحهم هم وحسب رؤاهم وقراءاتهم وهنا "الغاية تبرر الوسيلة". أم أبناء الصفوف الأخيرة، أو ما يمكن أن يقال عنهم "هواة السياسة" أو ما يعرف بالعامة والرعاع أو بالجماهير الكادحة فهم كانوا دائماً وأبداً وقوداً لمصالح ومعارك هؤلاء الذين في الصفوف الأولى وعليهم الطاعة العمياء.

لكن ما الذي دفع بإبليس على التمرد على إرادة الإله، بل ما الذي جعل الإله أن يطلب من كبير ملائكته؛ إبليس والمخلوق من النار أن يسجد لآدم المخلوق من الطين والصلصال، والنار أرفع شأناً وسمواً من الصلصال، وألم يكن يعلم بأنه لن يسجد لآدم وكانت هي بالأساس خديعة إلهية للإيقاع بإبليس وبالتالي يكون مبرراً للعقوبة. إذاً هي خديعة ومكر إلهي؛ "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، فهذه هي السياسة قديمها وحديثها، كل يخادع ويلعب، إن كان من فوق أو تحت الطاولة، وعليك أن تكون بهلواناً و إلا فسوف يدق عنقك وأنت تهوي من فوق الحبال التي كنت ترقص عليه. وها هما لاعبان من لاعبي الصفوف الأولى، بل أبرزهم وكل من موقعه يرمي بنفسه إلى "وادي هنوم"؛ جحيم الآلهة والزعامات الأبدية بعد أن مكر وخطط لهم من قبل الإله – الزعيم وللإيقاع بهم.

وأخيراً نتساءل مع المتصوفة والتائهين والمشردين، على أبواب الجنة والجحيم، ما الحل؟ وذلك قبل أن نقول ما العمل؟. هل هي في تبديل إله بإله آخر وبالتالي أن نحطم جموع الأصنام هذه كما فعل محمد عندما دخل مكة؛ "بيت الله" ورأى جموع الأصنام – الآلهة، فأخذ بعصاه وبدأ بتحطيمهم وهو يقول: "جاء الحق وزهق الباطل" إلى أن أبقى على إله أبيه؛ "الله" وجعله إلهاً واحداً أحد لا شريك له، وكان الاستبداد والرأي الواحد والحزب الواحد والقائد الأوحد. أم أن نتمرد على طريقة "إبليس" ويكون مصيرك كمصيره الطرد من الجنة، من الحزب لتقوم بتشكيل حزبك الجديد، لتقوم أنت الآخر بطرد غيرك من الحزب - الجنة التي أوجدتها على مقاسك، وهكذا تستمر دورة العنف والإقصاء ونفي الآخر، كما في الحالة الأولى وإن كانت بأوجه وزعامات أخرى. أو تكون خانعاً خاضعاً على طريقة آدم وبنيه لتستمر في تفريخ المدجنين والمصفقين بحياة الملك. وهناك أيضاً كهوف أو أبراج الكهنة والعلماء والمثقفين المتصوفة والاعتكاف فيه وأنت تفلسف الحياة عوضاً عن أن تعيشه وهذه تؤدي بك إما إلى الجنون أو الكفر والإلحاد بكل شيء.

إذاً.. أليس هناك الخلاص من هذا الجحيم، من دائرة القبيلة والحزب والانغلاق والتقوقع حول الذات الإلهية؟ أليس من سبيل إلى تقبل الآخر، المختلف والمتمايز عنا، في الجنة الواحدة، في دائرة حزبية واحدة؟. إننا نعتقد، ومن خلال تجربة الشعوب التي سبقتنا إلى القرن الحادي والعشرون وجوداً وحضارتاً وليس فقط كائناً وفضاءً مفروضاً عليه، بأن الحل يكمن في العقلية المؤسساتية المبنية على أن الاختلاف والتعددية تغني الوجود والحياة، وبأن الرأي والرأي الآخر وقبول هذا الآخر والحوار معه، هي الطرق الكفيلة بحل كافة المشاكل والمسائل العالقة، إن كان على مستوى الأفراد أو الشعوب، وأنه لا بديل عن الحريات العامة والديموقراطية، للوصول إلى بر الأمان. أي أن يكون هناك دولة قانون ومؤسسات وليست مزارع خاصة أو حزب القبائل، على شاكلة أحزابنا التي بدلت المسميات القبائلية – العشائرية بالأسماء الحزبية وذلك من دون المساس بالجوهر والمفاهيم.

وبالتالي فإما أن ندخل حقيقة إلى القرن الحادي والعشرين بمفاهيم هذا القرن أو نبقى أسيري القرون ما قبل الوسطى الكهفية، بكل ما تحمله من عنف واستبداد ونعيد قصة "مأساة إبليس" بصياغات وأشخاص جدد. وهكذا سوف نجد الكثيرين على شاكلة نوري بريمو وعبد الحليم خدام وهم يسقطون من الفردوس الإلهي في أودية الويل وبين براثن برلمانات الفساد والظل وهم "يكتشفون" ولأول مرة فساد هؤلاء الساقطين من الفراديس، ونقول آخراً: نتمنى من الأخوة في حزب الوحدة الديموقراطي الكوردي – يكيتي – أن لا يعيدوا المسرحية الهزلية، والتي كانت قبة البرلمان السوري مسرحها، إلى أذهاننا وهم يتهمون رفيق الأمس بأسوأ وأبشع النعوت والصفات، ولنكن ولمرة واحدة أن نكون موضوعيين ومنصفين في قراءتنا للأمور والوقائع، و لربما تكون هي البداية الحقيقية في انطلاقتنا الجديدة نحو مبادئ الفكر والعقلانية وبناء المؤسسات المدنية وليست المؤسسات القائمة على الفكر والولاء القبلي - الحزبي.