يدعيوت أحرونوت

سيفر بلوتسكر

بعد ثمانية أشهر على الانسحاب من غزة ـ أو ما سمي "فك الارتباط احادي الجانب" ـ فان الامور لا تتطور وفقاً للسيناريو المعد مسبقاً والذي قدم للجمهور. وتقريباً، لم يحصل شيء مما قاله وتعهد بحصوله مؤيدو فك الارتباط. قطاع غزة لم يهدأ والسلطة الفلسطينية لم تتحمل مسؤولية الأمور كي تقيم هونغ كونغ على شاطئ البحر الأبيض المتوسط. غزة منطقة سائبة، بلاد اللا أحد. لا يوجد في القطاع نظام مدني، لا توجد عملة، لا يوجد فرض للقانون والنظام، ومعظم المنظومة التي تقدم الخدمات الأساس للسكان مشلولة ـ باستثناء تلك التي تديرها الأمم المتحدة. كما ان عصابات من المسلحين تسيطر في الشوارع الضيقة والمهملة لمخيمات اللاجئين. والنشاط الانتاجي شبه الوحيد هو صناعة انابيب الحديد المتطايرة إلى مسافات قصيرة التي ليس واضحاً لأحد معنى اطلاقها نحو اسرائيل، بما في ذلك الذين يطلقونها انفسهم، ولكن عندما لا يكون لديك شيء تفعله، وان شاب ومفعم بالحيوية، ومنذ ولدت لم تعرف سوى الفقر، العوز، الاحتلال وفقدان العمل، فانك تجد متنفساً في الانتماء إلى تلك "خلايا القسام" السخيفة. تسليم السيطرة للفلسطينيين على معبر الحدود مع مصر لم يؤد هو أيضاً إلى النتائج المرجوة. فالحدود سائبة تماماً، والتفتيش جزئي، وأعمال التهريب مزدهرة ليلاً نهاراً. الفلسطينيون لم يطبقوا السيادة هناك أيضاً. جنود حرس الحدود المصريون تلقوا تعليمات من نوع واحد: ان يمنعوا بكل ثمن تحويل غزة إلى جزء من مصر، وهم ينقذون هذه الوظيفة ليس أكثر. السلطة الفلسطينية لم تستغل الأشهر الفاصلة بين انسحاب اسرائيل وبين الانتخابات البرلمانية الفسطينية كي ترسخ سيطرتها بين سكان غزة، بل كانت منشغلة في صراعات القوى الداخلية. الانتخابات حسمت لصالح حماس، والعامود الفقري المسلح لفتح كسر، وغادر عدد من كبار مسؤولي الأجهزة الأمنية غزة إلى دول الخليج، بينما بدل آخرون بسرعة ولاءهم السياسي. فقطاع غزة كان لزمن ما حماس لاند. أما الان لم يعد كذلك: في الواقع، حتى حماس الرسمية رفعت ايديها أمام انهيار غزة، وتركتها لمصيرها. أما إسرائيل، ورغم أنها أخرجت من هناك الجيش والمستوطنات، ورغم أنها أغلقت المعابر أمام حركة البضائع، فانها لا تزال عالقة مع غزة كالعظمة الكبيرة في حلقها. لم نفك ارتباطنا؛ ما حصل، وبشكل خاص ما لا يحصل، هو أن غزة تواصل التدحرج إلى بابنا. المسؤولية عنها ـ في نظر العالم وبقدر ما في نظرنا أيضاً ـ لم ترفع عن اسرائيل. ولهذا تضاف النشاطات العسكرية غير المتوقفة ضد أهداف في القطاع، التي تتراوح بين رد على اطلاق صواريخ القسام وبين عمليات التصفية المركزة. وبالنسبة لمن يسكن في غزة، اسرائيل تواصل السيطرة على البحر، على الجو والبر. وحدهم المستوطنون انصرفوا عن ناظريه. هذا جيد، لكن هذا غير كاف. وحتى مغادرة المستوطنات لم يعد يعتبر نصراً عظيماً جداً للشعب الفلسطيني. فقد اختفت آلاف أماكن العمل الجيدة، وبدلا منها تعمقت البطالة والفقر. البنية التحتية الزراعية التي خلفتها اسرائيل وراءها مشلولة في معظمها، والدفيئات مهجورة، وذلك ايضاً بسبب المعابر المغلقة وبسبب عدم قدرة مزارعي غزة على تجنيد التمويل الضروري للنباتات التي توجد لديها سوق أجنبية. كما ان ركام المستوطنات الاسرائيلية لم ينقل إلى أي مكان على الرغم من أن حكومة اسرائيل تعهدت (أُلزمت، كي نكون أكثر دقة) على دفع كلفة النقل. وليس واضحاً من المذنب بذلك، السلطة أم مصر أم المنظمات الدولية. هل ربحت إسرائيل من فك الارتباط؟ أقل مما امل مخططو فك الارتباط. الولايات المتحدة لم تمنحنا حتى ولو سنتا واحداً من المساعدات الاقتصادية، رغم أنه في مراحل مختلفة من التحضيرات للانسحاب ومع تنفيذ الانسحاب نفسه جرى الحديث كثيراً عن منحة خاصة اميركية بمبلغ ملياري دولار. ومن الصحيح القول انه حتى اليوم لا يوجد منحة ولا بطيخ. فلفترة قصيرة تمتعت اسرائيل بعطف دولي حين اعتبر فك الارتباط عن غزة بداية عملية انسحاب احادي الجانب كبير. لكن التعاطف يتبدد ببطء، ولا سيما بعد مرض اريئيل شارون. ايهود اولمرت قد يظهر ان نهج فك الارتباط من انتاج شارون يختلف كثيرا عن نهج فك الارتباط من انتاج اولمرت. الاول اثار انفعال العالم، لانه بدا كانقلاب شخصي لزعيم صقري شبع حروبا. أما الثاني، فك ارتباط خاصة أولمرت فسيظهر ـ وهو يظهر منذ الآن ـ كعمل لسياسي من الوسط، نال حزبه في الانتخابات ربع اصوات الناخبين. ليست صواريخ القسام، بالطبع، خطراً على إسرائيل، ولكنها مقلقة، تثير الغضب وجعلت الحياة اليومية لسكان الكيبوتسات، القرى الزراعية والمدن القريبة من حدود غزة صعبة جداً. وخطيرة: ففي نهاية المطاف، ولو فقط بسبب قوانين الاحصاء، سيسقط صاروخ في مكان يعج بالناس وستكون النتجية كارثية. فك الارتباط لم يؤد إلى شرخ في المجتمع الاسرائيلي، وبالتالي لم يؤد إلى إجراء أي حساب للنفس. بعد ثمانية أشهر على الانسحاب، ذكراه غامضة ودروسه ضبابية. ونحن نفضل الا نتحدث عنه أو نتذكره. أكان فك ارتباط؟ أكانت نتساريم؟ وحقيقة ان واقع ما بعد فك الارتباط لا يشبه التوقعات والسيناريوهات يجب ان تدفع ايهود اولمرت، رئيس الحكومة الفعلي ومن كلف بمهمة تشكيل الحكومة المقبلة، الى اعادة التفكير بخططه السياسية ايضا. فهل يمكن لاسرائيل حقا ان تقرر بشكل احادي الجانب الحدود مع الفلسطينيين، دون ان تكون مقبولة منهم أو من العالم؟ هل يمكن لاسرائيل "الانطواء" داخل "كتل استيطانية" في الضفة الغربية وضمنها؟ من سيمول مثل هذه الخطوة، والتي ستكلف عشرات مليارات الشواكل دون ان تعتبر حلاً لأي شيء؟ من سيمنع الشرخ المأساوي في الشعب حول هذه الخطة؟ ومن سيتنازل في فلسطين بعد الانسحاب الاسرائيلي الظاهري، الذي سيترافق مع وضم ظاهري أيضاً؟ بعد ثمانية أشهر من فك الارتباط، الحمل اياه انجب فقط علامات استفهام.