نزار صبــاغ

تعلمنا في المدارس أشياء كثيرة من علوم اللغة العربية ، وتعلمنا أن فعل "كان" نحوياً : فعل ماضي ، يقال أنه ناقص ... فهل هو فعلاً ناقص بما كان عليه نهر العاصي سابقاً ... ؟ وماذا عن الحاضر ...؟ أهو أفضل من ذاك الناقص ...؟ يعلم أغلبنا ما سبب وجود ما يسمى "مجرى الزيادة " ، وكم كانت فائدته ، ومقدار الراحة والأمان اللتان انعكستا على مواطني حماه بعد تنفيذه ، الأمر الذي جعل الكثير منهم يعتبرونه نوعاً من أنواع النِعَمْ التي أغدقت على المدينة .

كان المجرى المذكور يستقبل سيول مياه الأمطار القادمة إلى حماه ضمن مسارها الطبيعي ، ليحتويها ويوجهها إلى نهر العاصي دون أن تسبب أي أذى للمدينة ... هذا يتعلق بالماضي لاستخدامنا فعل "كان" ، فماذا عن الحاضر ...؟ إنه حاضر أليم صراحة : مياه المنصرفات عوضاً عن سيول المياه ، في مسار صناعي/ طبيعي مكشوف ، بما تحمله من ملوثات بدءاً من الجهة الشمالية من معمل الاسمنت ، مروراً بمزارع "الرقيطة" إلى منصرفات "بسيرين" و "أيّو" إلى منصرفات المعامل وكل ما هو موجود على المسار .. وصولاً إلى مجرى الزيادة ، إلى حماه وإلى ساحة العاصي ، إلى مركز المدينة الذي يفترض أن يكون بما يحويه من أبنية ومراكز إدارية وسياسية وتجارية وسياحية ، متميزاً بنظافته وجماله ورواده ... ونقائه .

عدا ذلك ، فإن أغلب المزارع والبساتين الواقعة على جوار المسار المذكور تستقي ، وتروى خضارها ... مما يحمله من مخلفات تحت تسمية "مياه للري" ، وتحت سمع وبصر الكثير من الجهات "المسؤولة" . لنفترض أن المشكلة جديدة ، فما الحل ؟ إن أية جهة إدارية مسؤولة في العالم المتمدن كانت ستقوم بتنفيذ شبكة صرف صحي نظامية لتجمعات البلدات والقرى المذكورة بعيداً عن المجارى الطبيعية لمياه المطار والسيول التي تصب في الأنهار ، كما ستقوم بتنفيذ محطات معالجة للاستفادة على الأقل من مياهها الناجمة عن عمليات التصفية والتنقية في ري المزروعات .. لاهتمامها الفعلي بقيمة الإنسان ...

في تلك الأنحاء من العالم لا يمكن لأحد تأجيل تنفيذ أي مشروع بيئي صحي اقتصادي حيوي لعشرات السنوات ، كما لا يمكن تأجيل التنفيذ لما تتطلبه معالجة أية مشكلة صحية بيئية تمس بالانسان ... فماذا عنا ، هل أننا مختلفون .. نعلم أننا خليقة الله كغيرنا ، لم يميزهم عنا شكلاً أو أجهزة حيوية أو قدرات عقلية ... كما نعلم كم نتفوق على الغير في مكامن القدرات المالية ...

ونعلم أيضاً لماذا وبماذا نحن عنهم ، مختلفون . المشكلة ليست جديدة ، نعلم بها جميعاً منذ سنين ، ويعرف أسبابها الكثير ، ونعلم ما تسببه من أذى لنا وللمدينة ، كما يعلم بها المسؤولون .

إنها ليست مشكلة بيئية بقدر ما هي اقتصادية واجتماعية ، تمس بنا ، بالجميع . سبق لنا أن رأينا بأم أعيننا ولا نزال نرى ما يفعله السواح والزائرون إلى مركز المدينة ... ونرى علائم الاندهاش والذهول على قسمات وجوههم ، وهو يستنشقون ما يتصاعد من روائح ، في المركز الاقتصادي / الإداري / السياسي للمحافظة عامة والموجود في مركز المدينة .

لا نزال نسمع الأسئلة والاستفسارات المليئة بإشارات الاستفهام .. ونعتقد جازمين أنها تترد كذلك أمام بعض المسؤولين ! لقد كللنا كمواطنين من سماع وعود ، وإقامة ندوات ، وتكليف "جهات" بإجراء دراسات عن الحلول المقترحة ، والموازنات المالية اللازمة ، واستخدام "سوف" و "سين" المستقبل ضمن وعود المسؤولين .

الحلول واضحة ، نملكها منذ زمن ، والمشكلة في التنفيذ . القانون واضح وصريح ، سواء القانون /49/ لعام 2005 المتعلق بالنظافة أم القانون/50/ لعام 2002 المتعلق بالبيئة ، عدا ذلك فالأخبار الواردة عن الاهتمام العالمي بالبيئة كثيرة ، والندوات المتخصصة عن التلوث في بلادنا عديدة ، والأخبار الصادرة عنا المتعلقة "بانجازاتنا" على صعيد البيئة متصاعدة ، والخطط المتعلقة بمحطات معالجة مياه الصرف الصحي لتجمعات القرى معدة وجاهزة ...وتبقى المشكلة في اتخاذ القرار بالتنفيذ وفي أعداد البرامج الزمنية التنفيذية وفي متابعة تنفيذها .

للوقت قيمة أيها السادة ، كما للإنسان ... لأن "التنمية في الموارد البشرية" تشمل الاهتمام بالإنسان كقيمة لا كرقم ، كما أنها تعني أن للوقت في التنمية "المستدامة" و "للموارد البشرية" .. حساب ومعيار. ودعونا نسمع أفعالاً ، لا مجرد أقوال ... اجعلونا نتابع واقعاً ما يتردد وعوداً بالكلام . ودعونا نقول أنكم فعلاً بالتنمية والمواطن ... جادون ومهتمون ...

ولا تدعونا نقول بأن "الحاضر" .... وكأنه بالتعبير النحوي لفعل "كان " ... ناقص . أو أنه "حاضر غائب" .