ماهر سمعان

أكانت استجابة لضغوط دولية, ام هي خطة مرسومة مسبقا بهدف ايذاء سوريا, ام مؤامرة امبريالية ورأسمالية ورجعية ضد العروبة او الاشتراكية او الكرامة, أم أم...... أيا كان السبب فان سوريا بالنتيجة كما كل المنطقة العربية تسير ومنذ منتصف القرن الماضي في طريق طويل –ونستطيع ان نقول بأنها لم تسر في سواه الا نادرا- نحو ثقافة العنف.

مع كل إعلانات السلام والاستعداد للحوار والتصريحات والندوات حول تقبل الاخر والاستعداد لالقاء وتبادل الاراء, كان هناك دوما التيار والفكر الاخطر على مستقبل سوريا الا وهو التيار العنيف. فيظهر أحيانا بشكل مباشر في خطابات السياسيين أو خطب الجمعة أو في التوجيهات الحزبية, بينما يبقى غالبا في الظل مبطنا في الممارسات وطرق التعامل والحياة. ولكن وفي كل الأحوال فان حقيقة الثقافة العنيفة ترتبط بتاريخ طويل ومتصل من الممارسات والتربية على المفاهيم العنيفة بموازاة استخدامٍ مستمرا للدين والوطن والفكر في ترسيخ هذه الثقافة ما أدى الى انتشارها على كل نواحي الحياة وإلى زيادة مرعبة في سلطتها القسرية والعنيفة - كما هي- وتتجسد الطامة الكبرى في المرحلة القادمة بما يقدمه العراق من مثال على مستقبل مظلم لكل دول المنطقة العربية والمسلمة في انتقال العنف من الدفاع عن الوطن والدين الى استخدامه في قتل مؤسسيه وداعميه الأساسيين والأوليين من جميع الأطراف. فينتقل من حيز الخطب والاليات والكلام, الى ممارسات على الارض وبين الناس من اعلى المستويات الاجتماعية وصولا الى الاسرة, مقدما نظاما متكاملا لكل جوانب المجتمع والحياة. فيصبح التعليم بالعصى والضرب, والحوار بالطلقات النارية والصواريخ كما في العراق, ولتصبح الفاعلية والنشاط في المجتمع والسياسة والدين تقاس بالقتل والارهاب والتحريض على العنف.

قد يعتبر البعض انه من الاجحاف اتهام سوريا بمثل هذه الممارسات و انه من التشاؤم لا بل والخيانة الفكرية ان يقال بان هناك بربرية وهمجية في سورية على وشك الانفجار. ولكن لننظر بتفحص الى كل الممارسات السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد, فها هي عملية حرق السفارات تنفيسا عن الغضب الشعبي تجاه اي حدث دولي تتحول الى عادة, وصفة ملازمة لسورية في كل العالم. وهذا ليس من بنات افكار الغرب او بسبب الحملة الاعلامية المغرضة ضدنا, وانما اتى نتيجة ممارسات تفشت بشكل مرعب وبدأت تتحول الى تقاليد سياسية بين المواطنين الذين كلما غضبوا من تصرف دولة او سياسي في دولة -أو حتى من تصرف احد مواطني هذه الدولة- فانهم يسرعون لحرق علمها وسفارتها....

وفي مجال آخر فان النظام الاجتماعي السوري الذي لم يلحظ تطورا حقيقيا وفاعلا منذ الاستقلال, لازال يعتمد السلطة الابوية الغير قابلة للنقاش او التغيير كونها مستمدة من الله, ولايزال من أهم أدواتها القسر والعنف, فالاب يضرب اولاده ليربيهم والزوجة لينهيها عن ما يراه -هو شخصيا, او امام الجامع الذي يصلي فيه, او الحزب الذي ينتمي اليه- فعل خاطئ. ويساعد في ذلك نظام "إمامة" ديني وآخر سياسي لا يريدون ان يخسروا سلطتهم الشعبية الكاسحة, فيدافعون عنها بكل ما يستطيعون معتمدين على أبشع اشكال العنف الفكري من رفض الاخر والتفرد في حق الحكم والتنظيم وفي حق التفسير والافتاء والاجتهاد غير مستغنين عن اي من اشكال العنف الاخرى لنشر افكرهم وفرضها على الجميع... وفي تلك الاثناء لا تقف الدولة متفرجة على هذا التطرف العنيف في كل مجالات المجتمع, فقط.... فبدل من ان تكون القدوة والمحرك الاساسي لتطوير المجتمع واخراجه من هذه الحالة العنيفة بما تملك من قدرات ومجالات وادوات تسيطر عليها, فانها على العكس تماما, تأخذ من جانبها مهمة اكمال هذه الدورة العنيفة من خلال البيروقراطية والنظام التعليمي والسلطات الغير محدودة او محددة لموظفيها بكافة مستوايتهم, اضافة الى قوانين الطوارئ, الاحكام والمحاكم العرفية والعسكرية وامن الدولة.... كلها ليست سوى ترسيخ وممارسة على الارض لثقافة العنف.

في سوريا, حيث تلاحظ العنف في كل اوجه الحياة حتى في مكبات النفايات واشكال الابنية وملصقات الحائط والاعلانات وطرق لصقها على الجدران....الخ يقف الجميع معلنا اننا بلاد الامن والامان واننا نريد كلنا -شعب ودولة ودين- السلام في العالم, متعامين عن ما وصل اليه العنف من سلطة مرعبة وتكاد تكون مطلقة. يقفون متجاهلين ما سيحل بالجميع وبسوريا اذا استمروا فيما يفعلون. في سوريا, حيث تقبل الاخر لا يتعدى كونه حلم افلاطوني وارهاص فكري لدى البعض, قد يرفض أغلبكم ما كتبت.........