فيصل يوسف

يتفق العديد من الباحثين في الشأن السوري, بأن السبب الرئيس لمشكلاتها, الاقتصادية, والسياسية ,والثقافية, والاجتماعية, هو الطبيعة الشمولية للأنظمة التي حكمت سوريا, منذ نهاية الخمسينيات وحتى الان ومما زاد من سوء الأحوال,هو ان غالبية المعارضات خلال المراحل المنصرمةهي من ارومات شاركت في السلطة, وخسرت مواقعها أثناء احتدام الصراع بين أجنحتها أو ارتدت عنها بمواقف أكثر راديكالية وحافظت على مناهجها القديمة.

لقد كان من نتائج حكم تلك الانظمة الشمولية اثناء احتدام الصراع فيما بين اركانها تارة وبينها والقوى الوطنية المختلفة معها تارة اخرى المزيد من سفك دماء المواطنين وزج الآلاف من أتباع الفرق المتنافسة في السجون أثناء رجحان الكفة لأحدهم في السلطة ، وإحداث شروخ هائلة في جدار الوحدة الوطنية وتهديد السلم الأهلي وحصر حقوق المواطنة بالولاءات العقائدية وانتفاء اساليب العمل الديمقراطي في التعامل بين السلطة والمعارضة وفي الانظمة الداخلية للاحزاب نفسها لانها كانت بمعظهما تقتدي بالاحزاب والانظمة الشمولية والديكتاتورية..

وبخصوص مانعايشه في بلادنا, الان, فإن أوساطا في السلطة وبعض الاحزاب المعارضة تتوافق علىإعطاء الأولوية للمفاهيم العابرة للحدود الوطنية وعدم إيلاءالاهتمام بحقوق المواطن الأساسية،سواء على صعيد الفرد أو المجتمع،بل يتم الترويج لمشاريع الإصلاح وقوننة الحياة العامة بإعادة إنتاج الأفكار القديمة في التعامل مع الوطن والمواطن ،والتسابق في رفع الشعارات النظرية والمطالبة بالديمقراطية لسوريا, كي تتجاوز نفسها, وبغرض الانغماس في قضايا اشمل....،كما ويتم ابداع واستخدام العديد من المصطلحات التي تندرج في هذا السياق مبتعدة عن هموم المواطن الحقيقية وتمكينه لمواجهة المعضلات التي يعاني منها , ليأتي التعديل الشكلي للخطاب السياسي لاحقا ولاعتبارات متعددة , دون المساس بجوهر االايديولوجية الشمولية والاساليب التنظيمية المركزية التي تجعل من المواطن وقودا لها.

إننا نقول للذين يروجون لثقافاتهم الإقصائية تلك :إن ما تقومون به ليس الا إحياء لمشاريع جربتموها على الوطن ونتائجها كانت سلبية, وعلى أكثر من صعيد في ميدان الوطن والعروبة ، وكل يطالب بإصلاحها لأنها باتت معطوبة ونحن الآن أحوج ما نكون لزرع ثقافة الانتماء للوطن الذي نعيش فيه, وإحياء قيم الآباء المؤسسين له أمثال هنانو والعلي والعظمة والخوري والأطرش والقوتلي ..........والسعي الحثيث لبناء الدولة الوطنية القائمة على أسس الحق والقانون,وسيادة مبدأ المواطنة وتحديد ملامح العلاقة بشكل واضح بين المواطن والحكومة ,وتنظيم العلاقة دستورياً بينهما وفق اسس حضارية, قبل الالتفات إلى قضايا ذات ابعاداقليمية وقومية ودينية, والاصرارعلىابقاء المرجعية العقائدية لحزب البعث العربي الاشتراكي, وعدم الاعتراف بمكونات المجتمع السوري- من غير العرب- كشرط للسماح بالترخيص للأحزاب القائمة, أو التي ستؤسس مستقبلاً في حال صدورقانون لتنظيم عمل الاحزاب السياسية.

إن ثقافة التمييز بين المواطنين, مثلما هي سائدة حاليا, وكما تدعو إليها مسودة قانون الأحزاب الصادرة عن لجنة برلمانية من البعثيين, وبعض البيانات التي تصدر عن قوى معارضة, جل اهتمامها الانغماس في قضايا إيديولوجية شمولية ذات صفات قوموية أو دينية, لاتخدم تعزيز وتمتين الهوية الوطنية السورية ,لأنها ستكرس المزيد من الشقاق والإحباطات،ومن هنا فانه فلابد للقوى المتضررة وطنياً من الفكر الشمولي في السلطة, وخارجها, المزيد من الالتفاف والتضامن والعمل من أجل مشروع نهضوي, يضع سوريا وأبناءها في المقدمة, وهي وان تم التعبيرعنها في وثائق اصدرتها قوى ديمقراطية سورية عديدة ,لكنها مشتتة وينقصهاالتنسيق ولم الشمل ,وقد كان آخرها ورقةالاستاذين وليد مبيض وجورج كتن تحت عنوان: اقتراحات برنامج ليبرالي سوري, حيث جاء فيها الانطلاق من الدائرة الإنسانية كما تطرحها مسيرة الحداثة الراهنةالانسانية, والالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان, والاتفاقات والمواثيق الدولية المكملة له والقطع مع الثنائية في الفكر والسياسة، ورفض فكرة الشر المطلق المواجه للخير المطلق, وبالعكس،والتخلي عن ثوابت الأيديولوجيا كعقيدة فكرية إيمانية, والانطلاق في فهم وتحليل الظواهر من الوقائع العنيدة, ونبذ تفسير التاريخ كمؤامرة, والقطع مع النرجسية الوطنية والطبقية والدينية,والتمسك بالنهج الديموقراطي ليس رداً على الاستبداد فقط, وإنما لتحقيق غاية الحرية, و اعتباره طريقا ضروريا للتقدم والحداثة والإبداع والتنمية, وتحسين الأوضاع المعيشية.,. الى اخر ما جاء فيها من افكار ومبادىء قيمة.......................كما يأتي في هذا السياق ماورد في برنامج التحالف الديمقراطي الكردي في سوريا, والذي شارك في صياغته معظم الاحزاب الكردية السورية " ان الحركة الوطنية الكردية في سوريا تنطلق في نضالها من الارضية الوطنية السورية, وتحدد اهدافها وفقا لمصلحة البلاد العليا, ولما تتطلبه مصلحة الشعب الكردي من حيث هو جزء من المجتمع السوري ويؤكد على اهمية قراره السياسي في ضوءذلك " ويعمل من اجل اشاعة الديمقراطية لتشمل كافة جوانب الحياة في البلاد, واطلاق الحريات العامة واحترام حقوق الانسان, والغاء القوانين الاستسثنائية, بما في ذلك قانون الطوارىء واصدار قانون عصري للاحزاب وللصحافة, وارساء دعائم المجتمع المدني.

ان قراءة متانية لما ورد في البرنامج السياسي للتحالف الديمقراطي الكردي في سوريا ,تبين بانها تتطابق مع برامج القوى التي تطالب بالديمقراطية واحترام حقوق الانسان, وان المصلحة الحقيقية والنهائية لابناء الشعب الكردي في سوريا هي النضال من اجل بناء دولة الحق, والقانون والتي تتمتع في ظلها كل مواطني سوريا بحقوقهم سواسية وان الافصاح عن هذا البرنامج, بمنتهى الصراحة والشفافية في الوسط الوطني العام مهمة لاتحتمل التاجيل,كي يطلع عليه اوسع فئات المجتمع السوري ولكن دون اعطاء القدسية لنصوصه, أوالتشبث به بل العمل على تعديله, اذا لزم الامر, ليعبر عن طموحات وآمال ابناء المجتمع السوري.

ودون مبالغة ان الكرد السوريين, بما لهم من ماض نضالي وطني, وحياديتهم في الصراع الذي جرى على السلطة في محطات دقيقة ومهمة, من عمر البلاد يجب ان يشكلوا اليوم صمام امان, للوقوف امام الغلواء القومي عموما, والتعصب الديني, والتمسك بالعلمانية والديمقراطية وحقوق الانسان, وتكريس ثقافة المواطنة السورية, بمعزل عن الايدلوجيات الاقصائية, وردات الفعل الانتقامية من جانب بعض القوى المتصارعة سابقا, فهل ستتمكن قيادات الحركة الكردية السورية من تحقيق هذه المهام لتستعيد الى الاذهان الدورالذي قام به الرواد الاوائل في تأسيس وتأمين مستلزمات الدولة السورية, بدءا من نضالاتهم في مقاومة الفرنسيين وتاليا بوضعهم ركائز لسبل العيش المشترك,باصدار دستور للبلاد, مازال حتى الان, نموذجا يحتذى به من قبل كافة القوى الوطنية