النهار

وصف الرئيس الفرنسي جاك شيراك أمس تقرير الموفد الخاص للأمم المتحدة لتنفيذ القرار 1559 تيري رود - لارسن بأنه "ايجابي"، وأعلن تأييده الصريح لاستمرار الدعم المالي الأوروبي للسلطة الفلسطينية، وأكد توافقه مع مضيفه الرئيس المصري حسني مبارك على رفض المواجهة العسكرية مع ايران بسبب تمسكها ببرنامجها النووي، خشية أن تؤدي إلى زعزعة الإستقرار في الشرق الأوسط وربما في العالم اجمع.

ودعا الرئيس الفرنسي، الذي بدأ أمس زيارة لمصر تستمر يومين، الى تشكيل المحكمة الدولية التي ستحاكم المتهمين باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري "في أسرع وقت ممكن" و"كشف الحقيقة كاملة" في هذه الجريمة، مكرراً مطالبته سوريا بـ"الكف عن التدخل في

الشأن اللبناني"، وهو تدخل "غير مقبول لدى فرنسا والمجتمع الدولي". وشدد على ضرورة "احترام وتنفيذ القرار 1559" باعتباره "قراراً مهماً للغاية". وأوضح أن فرنسا "لا تضمر شيئاً لسوريا... لكننا نأمل في أن يستعيد لبنان كامل استقلاله في ظل الديموقراطية التي هي من التقاليد الراسخة" في هذا البلد. كما أمل في "علاقات طبيعية وحل المشاكل" بين بيروت ودمشق و"اعلان اعتراف متبادل بينهما"، في اشارة الى تبادل التمثيل الديبلوماسي بين البلدين، والتوصل الى "ترسيم حدود غير متنازع عليها". ولاحظ ان رود - لارسن "يعرف المنطقة ومشاكلها جيداً، ولديه حكمة كبيرة لحل المشاكل".

وفي مؤتمر صحافي مشترك عقداه مساء أمس في القاهرة، رد الرئيس المصري على سؤال عما اذا كانت القاهرة تنوي القيام بمبادرة لدى سوريا لحل مشاكلها مع لبنان، فأجاب بأن "سوريا ولبنان جيران ويهمنا استقرارهما لان هذا الاستقرار مهم جدا لاستقرار المنطقة"، مشيراً الى أن مصر والسعودية تبذلان جهوداً مشتركة لتحقيق هذا الهدف وتجريان في هذا الشأن "اتصالات مع السوريين واللبنانيين لضمان عودة العلاقات الأخوية بين البلدين".

وفاجأ شيراك الحاضرين بإعلان تأييده "الصريح" لاستمرار الدعم المالي الأوروبي للسلطة الفلسطينية، رافضاً أن يدفع الشعب الفلسطيني "ثمن" خياره الديموقراطي في الإنتخابات النيابية الأخيرة التي فازت فيها حركة المقاومة الاسلامية "حماس". وبدا في هذا الموقف كأنه يغرد خارج السرب الأوروبي، لا يرافقه سوى زعيم يسار الوسط الإيطالي رومانو برودي الذي دعا، عقب اعلان فوز تكتله في الانتخابات الأخيرة، الى أن يراجع الأوروبيون قرار تجميد المساعدات للفلسطينيين.

وكان الرئيس الفرنسي يرد على سؤال عن موقف بلاده من تعليق المساعدات الأوروبية للسلطة الفلسطينية، إذ قال: "لقد أجريت انتخابات ومن غير الوارد الإعتراض على نتائجها... المشكلة أن حركة حماس مدرجة على لائحة المنظمات الارهابية التي اقرها الاتحاد الاوروبي... وأفهم أن يكون الإتحاد الأوروبي قد تساءل عن الموقف الذي ينبغي اتخاذه، غير أنني اعتقد ان من الظلم ومما يجافي الحصافة السياسية أن يدفع الشعب الفلسطيني الثمن الذي يراد له ان يدفعه بقطع المعونات عنه". وأضاف: "انني بوضوح مع استمرار المساعدات لأسباب إنسانية"، لكنه شدد على ضرورة توافر آليات تضمن "توزيع هذه المساعدات على كل الشعب الفلسطيني"، معلنا أنه سيبحث في هذه "الشروط" مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خلال الزيارة التي سيقوم بها الأخير لباريس الأسبوع المقبل.

وأيد مبارك موقف شيراك قائلا أنه "لو ترك الشعب الفلسطيني من دون معونة فلا بد أن نتوقع منه أن يكون متطرفا والمنطقة لا ينقصها المزيد من التطرف". وطالب حركة "حماس" "بالاعتراف بكل الاتفاقات الموقعة بين السلطة الفلسطينية واسرائيل حتى نستطيع أن نقنع الإسرائيليين بالعودة الى المفاوضات".

وكان الرئيسان قالا في مستهل مؤتمرهما الصحافي انهما بحثا في جلسة المحادثات الطويلة التي عقداها فور انتهاء مراسم الاستقبال الرسمية لشيراك في قصر الاتحادية الرئاسي بضاحية مصر الجديدة شرق القاهرة، أنهما ناقشا القضايا الإقليمية الكبرى وخصوصاً "المستجدات على الساحتين الفلسطينية والاسرائيلية، وسبل دعم جهود السلام، وتحسين الاحوال المعيشية للشعب الفلسطيني، والوضع بين سوريا ولبنان، الى التطورات العراقية وسبل انجاح العملية السياسية و"تحقيق الوفاق والاستقرار" في هذا البلد، الى ملف ايران النووي و"علاقته بامن الخليج ومنطقة الشرق الاوسط".

واتهم الرئيس الفرنسي طهران بأنها "لم تحترم التزاماتها" التي تمليها عليها عضويتها في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكنه كشف أن القاهرة وباريس تعملان من اجل تسوية للأزمة الناجمة عن اعلان الحكومة الايرانية توصلها الى تخصيب الأورانيوم "من طريق الحوار". وسئل هل باتت ايران تشكل تهديداً ليس لاسرائيل وحدها وانما لمصر والأردن ولبنان، فأجاب: "لم نصل الى هذا المدى"، وشدد على ضرورة "استنفاد كل وسائل العمل الديبلوماسي" لحل الازمة "وتفادي زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط" .

أما مبارك، فأكد مجددا أن القاهرة تدعو دائماً الى اخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل بما فيها الاسلحة النووية، قائلا: "المعروف اننا نرفض وجود أسلحة دمار شامل في المنطقة". لكنه أيد موقف نظيره الفرنسي عن اهمية ايجاد حل للازمة النووية الايرانية "بالطرق السياسية والديبلوماسية والابتعاد عن الاساليب العسكرية دون اتخاذ قرار الحرب او الضرب لانه قرار سهل اتخاذه لكنه صعب في تداعياته على المنطقة". ودعا الى "استمرار الحوار بين ايران والترويكا الأوروبية" .

وعن الوضع العراقي، قال الرئيس المصري ان القاهرة وباريس متفقتان على أهمية اتمام العملية السياسية والحفاظ على سيادة العراق ووحدة أراضيه.

واعتبر مبارك أن الحل للازمة العراقية يكمن في البحث عن صيغة من أجل أن "يحكم العراقيون انفسهم بانفسهم". وقال إن "الشعب العراقي يرفض أن يحكمه أحد من الخارج" بما في ذلك تدخل "قوات اسلامية لانهم يرفضون القوات الأجنبية عموماً"، وأن الوضع الحالي يؤكد "ان العراقيين يحابون بعضهم بعضا ولكن عندما نقول نحن ذلك بيزعلوا"، وذلك في اشارة الى الازمة التي سببتها تصريحات أدلى بها قبل اسبوعين وقال فيها ان العراق دخل حربا أهلية وان ولاء الشيعة لايران وليس لدولهم.

الى ذلك، بحث مبارك وشيراك في العلاقات الثنائية المتشعبة وخصوصاً في تعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية، اذ تحتل فرنسا الموقع الثالث على رأس قائمة الشركاء التجاريين للقاهرة وتبلغ استثماراتها في مصر استنادا الى تصريحات أدلى بها شيراك الى صحيفة "الاهرام" المصرية ونشرت أمس اكثر من ملياري أورو.

ومن المقرر ان يفتتح الرئيسان صباح اليوم رسميا الجامعة الفرنسية في القاهرة التي بدأت بالفعل في استقبال الطلاب قبل ثلاث سنوات ونصف سنة، كما سيدشن شيراك، الذي يصطحب أكثر من 20 من رؤساء الشركات الفرنسية، مع رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف المجلس الرئاسي الفرنسي-المصري لرجال الأعمال.