عن لبنان وسوريا بدأ مسؤول بارز في مركز ابحاث اميركي مهم كانت له سنوات طويلة من التعاطي الرسمي المباشر مع الشرق الاوسط بكل مشكلاته المعقدة المزمنة، منها وغير المزمنة، الحديث بسؤال: "كيف ترى الوضع في سوريا الآن، او بالاحرى ما هو تقويمك للوضع السوري عموما؟". اجبت: يبدو لي ان النظام في سوريا استرجع في الاشهر الماضية بعض القوة والثقة بالنفس بعد اشهر طويلة من القلق وربما من الخوف نتيجة الضغوط المعروفة الاسباب التي تعرض لها من الادارة الاميركية والمجتمع الدولي. استفاد في تقديري لتحقيق ذلك من امرين. الاول، تعبئة الرأي العام السوري ودفعه لمساندة النظام رغم الخلافات المتنوعة معه بذريعة ان السوريين كشعب يواجهون حربا عنصرية يشنها عليهم اللبنانيون. اما الثاني، فهو الافادة من الحرب الاميركية في العراق وعليه ومن استمرار اللاحل للموضوع الفلسطيني ومن المواجهة الاميركية مع ايران لاقناع الشعب السوري بكل فئاته، وهو قومي الهوى اجمالا واسلامي في الوقت نفسه بان ما يتعرض له نظامه انما هو عقاب له على استمرار التزامه قضية فلسطين وقضية التحرر والعروبة ومواجهة اسرائيل. وقد نجح في ذلك الى حد كبير. في لبنان ايضا، اضفت، حسّن النظام السوري مواقعه بعدما كان محشورا مع حلفائه ونجح في تعديل ميزان القوى الداخلي بحيث اصبح متعادلاً الآن بين اخصامه وحلفائه او مؤيديه وخصوصا بعد انقسام المسيحيين ونجاح حلفاء سوريا والبعض يقول سوريا، في استمالة "التيار الوطني الحر" بزعامة العماد ميشال عون اليهم.

وافق المسؤول البارز في مركز الابحاث المشار اليه اعلاه على ذلك واضاف: "لن تقدم سوريا شيئا. الرئيس بشار الاسد لا يستطيع ان يقدم شيئا، او لا يريد ان يقدم شيئاً. النظام السوري هو عبارة عن حكم عائلي داخل اقلية واي خطوة انفتاحية تهدده. وهو قد يقوم بخطوات اصلاحية صغيرة ومحدودة على الصعيد الاقتصادي، وربما على الصعيد السياسي. لكن شيئا لن يتغير رغم ذلك. استعاد بعض الثقة بنفسه. واسباب ذلك كثيرة. منها التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. فأيام رئاسة المحقق الالماني ديتليف ميليس شعر السوريون بضغط يومي كبير عليهم بسبب نزاهته وطريقته في العمل. وكان كل ما يقوله او يكتبه او يتوصل اليه يعبّىء الاسرة الدولية ويعطيها المادة لتتابع خوضها في الموضوع اللبناني وتاليا ضغطها على سوريا. يومها خاف المسؤولون في سوريا ولم يتركوا وسيلة الا استخدموها لفتح باب الحوار مع اميركا. كانوا خائفين من العقوبات ومن العزل ومن كل شيء لأنه سيوصلهم الى النهاية. الآن اختلفت الامور مع الرئيس الجديد للجنة التحقيق الدولية سيرج برامرتس. فهو لا يحكي، ولا يتحرك، او بالاحرى يخفي تحركاته. ويبدو ان السوريين مرتاحون له. وارتياحهم يعني ان في امكانهم التفلت من الجريمة. لا نعرف حتى الآن اذا كان الاختلاف بين ميليس وبرامرتس هو في الاسلوب او في المضمون. فاذا كان الاختلاف في الاسلوب يكون الارتياح او الاطمئنان الذي يظهره السوريون للاخير "تكتيكيا". اما اذا كان في المضمون فانهم يكونون مرتاحين فعلاً . في اي حال لقد "انتحر" غازي كنعان. ويمكن ان يحمّلوه مسؤولية اغتيال الحريري وكل شيء آخر ارتكب في لبنان وربما مع آخرين".

لماذا، في رأيك، ترك ميليس لجنة التحقيق الدولية؟

اجاب المسؤول البارز نفسه في مركز الابحاث الاميركي المشار اليه: "انه انسان نزيه وشريف ومحترم. قال اثناء رئاسته اللجنة انه لن يكمل مهمته فيها الى الآخر. ولا تنسَ ان حياته صارت لا تطاق ولاسيما نتيجة التهديدات الكثيرة التي تلقاها والعاملون معه".

اين لبنان في اميركا اليوم؟ سألت. فأجاب: "طبعا لا يزال الاهتمام بلبنان في اميركا قائما. لكنه يؤسفني ان اكون فظاً وان اقول لك ان هذا الاهتمام قليل ولا يكفي. فالعراق اولوية لاميركا. وايران اولوية ثابتة لها وادارة الرئيس جورج بوش في ولايتها الثانية. وتكون الادارة، اي ادارة، تعيسة في الولاية الثانية والتأييد الشعبي لبوش في ادنى مستوياته. وهو يريد ان يذكره التاريخ بالخير، اي ان يدخل في التراث الاميركي كرئيس تاريخي كهاري ترومان مثلا. ترومان اخذ شرعيته التاريخية او تاريخيته من مشروع مارشال (مساعدة اوروبا على اعادة بناء دولها بعد الحرب العالمية الثانية) ومن بناء مؤسسات. وبوش يحارب او يقاتل من اجل ان يذكر التاريخ انه ارسى الديموقراطية في الشرق الاوسط (العراق فلبنان) وانه حارب الارهاب.

هذا النوع من الامور لا ينجز في سنتين. فهو سيبقى رئيسا حتى 20 كانون الثاني 2009. وحتى هذه الاثناء يمكن ان تندلع حرب اهلية واسعة في العراق. ويمكن ان يشهد هذا البلد حلولا معينة. لكن هذا النوع من الحلول لن يوقف العنف. وهناك مشكلة مستمرة في ايران ومعها، وحلها يستلزم وقتاً. قد تكون ايران دخلت مرحلة فرض نفسها قوة نووية. وبوش يريد منعها من ذلك. والنجاح في هذا المجال يتحقق بطريقتين. الاولى، فرض عقوبات دولية عليها تؤدي الى حلول لاحقة. والثانية، توجيه ضربة عسكرية اليها. قد يأتي ايهود اولمرت الى واشنطن اذا انتخب رئيسا لحكومة اسرائيل مرة ثانية ويقول لبوش: لنقضِ اولا على تسعين في المئة من الامكانات النووية الايرانية. وهناك ايضا مشكلة "حماس" والفلسطينيين".

ماذا قال ايضا عن لبنان وسوريا المسؤول البارز في مركز ابحاث اميركي مهم بعد تعاطيه سنوات طويلة، وعلى نحو رسمي ومباشر مع الشرق الاوسط بمشكلاته المعقدة المزمنة منها وغير المزمنة؟