أحداث العنف الطائفي التي جرت مؤخراً في الإسكندرية تظهر على السطح ما هو مخبأ في أعماق النسيج الاجتماعي العربي، وهو نسيج توارثناه منذ مدة طويلة من الزمن ،وآن الوقت لاستبداله بجديد، أو على الأقل لإعادة حياكته. والأمر لا يقتصر على مجتمع عربي وإسلامي بذاته، بل يشمل بنية تلك المجتمعات قاطبة.

فهي قد تكونت عبر عصور خلت كانت فيها ظروف الحياة مختلفة عن ظروف عصرنا أشد الاختلاف. فعلاقات القوة التي بنيت في المجتمع العربي الإسلامي القديم قد أرسيت على قواعد تتباين بشكل واضح مع القواعد التي أخذت الدولة الحديثة تقوم عليها.

وما امتداد حوادث العنف الطائفي من الإسكندرية إلى العراق وباكستان وغيرها إلا شاهد على الصراع بين «القديم» الذي يتشبث ببقائه «والجديد »الذي يحاول الخروج من رحم ذلك القديم ليؤسس لعلاقة تساير زمانه.

كانت علاقات القوة في المجتمع العربي الإسلامي تقوم على أساس أن الدولة تعبر عن إرادة الحاكم، وبالتبعية فإن دين الدولة ومذهبها ورموزها الثقافية كانت التجسيد العملي لتلك الإرادة.

لذلك لم يكن غريباً أن يحول صلاح الدين الأيوبي مصر من المذهب الشيعي إلى المذهب السني، ولم يكن غريباً بنفس القدر أن يسعى الشاه إسماعيل الصفوي ـ بكل ما أوتي من قوة ـ إلى تبديل مذهب أهل بلاد فارس من الشافعية إلى الإمامية.

وعامة الناس كانوا من الرعايا الذين لا حول لهم ولا قوة، وهم لم يكونوا على قدم المساواة، فالمفاضلة بينهم كانت تقوم على النسب والحسب والحرفة واليسار. وكان هذا يظهر أكثر ما يظهر في الزواج والمصاهرة.

وبالطبع، لم يكن جميع رعايا الدولة على مذهب أو دين حاكمهم، فقد احتفظ الكثيرون بمذاهبهم وأديانهم رغم تقلب الأحوال. وقد اختلفت معاملة أصحاب المذاهب الأخرى، التي لم تكن على مذهب الحاكم بين الشدة واللين حسب الظروف ومقتضيات السياسة والتوازنات الداخلية.

أما أصحاب الأديان الكتابية فكانت لهم حقوق معينة «كأهل ذمة»، ومساحة تلك الحقوق وتبوء هؤلاء للمناصب العليا كان دائماً يقوم على رأي الحاكم ومدى تسامحه. ولم يكن جميع رعايا الدولة أيضاً على رأي حاكمهم، ومع ذلك فأي رأي مخالف كان يوصم بالخروج على الإجماع والدعوة إلى الفتنة والشقاق.

وعلى ذلك، لم تطبق الشورى ولم تتطور كمؤسسة كما حدث مثلاً في حركة «الماجنا كارتا »أو «العهد العظيم »في انجلترا 1215 التي تطورت لترسي دعائم النظام الديمقراطي الحديث.

ولعل أول تمزق لهذا النسيج قد جاء بفعل الغزو الأجنبي المتمثل بحركة الاستعمار، وما أدخلته سلطاتها من قوانين ونظم إدارية حديثة، مبنية على التطور الفكري والمادي لتلك المجتمعات ومنطلقة من الفلسفات التي شاعت في ذلك العصر واستقرت عليها مجتمعاتها.

ثم جاءت الدولة الوطنية الحديثة بعد عهد الاستقلال لتمضي بالعملية أكثر ولو على مستوى الشعارات، فأصبح هناك شعب بدل الرعية، وأصبحت الدولة في خدمتهم وليسوا خدماً عندها، وأصبحوا مواطنين على قدم المساواة، ونصت الدساتير الحديثة للدول العربية على حرية الاعتقاد والرأي.

وأخذت تستقر تلك القيم الجديدة في وجدان هذه الشعوب وفي ضمائرها لتكون حقوقاً مكتسبة يتم المطالبة بها كلما انتهكت.

لكن، شتان ما بين تلك الشعارات الجميلة الأخاذة وما ظل يجري على أرض الواقع، ذلك أن إرث الدولة العربية والإسلامية لم يكن من الممكن التخلص منه دفعة واحدة، بل ظل يقاوم بشراسة ويستقوي ببعض القوى الاجتماعية الداعية للعودة إلى الماضي.

لذلك، ظلت الدولة العربية والإسلامية بعمومها تعبيراً عن إرادة الحاكم أو الأغلبية الحاكمة وما يتبع ذلك من فرض دينها أو مذهبها على الدولة، واستخدام رموز ذلك الدين أو المذهب في وسائل إعلامها أو في نشاطات إداراتها وخصوصاً في مناهج التعليم أو في الحياة العامة.

وهذا ما أدى إلى تناقض بين مفهوم إن الدولة هي التعبير عن روح الأمة بمواطنيها جميعاً المكونين لها بمختلف طوائفهم وأديانهم، وبما تمارسه على أرض الواقع من كونها تعبيراً لهذا الفريق أو ذاك من الأمة بحكم تبنيها لدين أو مذهب بعض مواطنيها وليس كلهم.

ولاشك أن الوحدة الوطنية لا يمكن أن تتحقق بشكل كامل بحيث يشعر جميع المواطنين بأن الدولة تمثلهم قلباً وقالباً إذا كانت الدولة تتبنى دين أو مذهب طائفة من المواطنين دون أخرى، ولما كان أيضاً، من الناحية العملية والواقعية لا تستطيع الدولة أن تتبنى أديان ومذاهب جميع مواطنيها.

فإن فصل الدين عن الدولة أو العلمنة تصبح ضرورة كي تتماشى مع منطق الدولة الحديث القائم على أن المواطنين متساوون جميعاً. والعلمنة أو العلمانية لا تعني فصل الدين عن المجتمع.

كما يشيع منتقدوها عن عمد، وإنما تعني حياد الدولة فيما يخص المسائل الدينية بحيث تكون تلك المسائل شؤوناً شخصية يمارسها أفراد المجتمع في ظل نظام المساواة الذي يكفل لهم جميعاً حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية.

فما أحوجنا إلى العلمانية في زمن التوترات الدينية والمذهبية