محمـد العبـد اللـه

العملية البطولية التي نفذها في السابع عشر من الشهر الجاري، الاستشهادي "سامر حماد" إبن الواحد والعشرين ربيعاً، في عمق كيان العدو، وداخل مدينة تل الربيع "تل أبيب" المحتلة منذ عام 1948، في مكان تم تحديده بدقة: "مطعم فلافل العمدة" عند محطة الباصات المركزية، في عيد الفصح اليهودي، وبفترة الازدحام البشرية اليومية، حَمَلـَتْ عدة دلالات هامة انعكست نتائجها على الوضع السياسي الراهن. فقد حقق نجاح العملية إنتصاراً جديداً لقوى المقاومة، تتجلى تعبيراته في عجز الاجراءات القمعية الوحشية التي تمارسها قوات العدو _ العسكرية و الأمنية _ وفي فشل مئات الكيلومترات من الاسمنت المسلح التي يستند إليها جدار الفصل والضم العنصري، من كسر إرادة المقاومة. لقد شهد ذات المكان وقبل أربعة أشهر عملية استشهادية مماثلة نفذتها حركة الجهاد الاسلامي، والتي كان الشهيد "سامر حماد" أحد فدائييها، مما يؤكد دقة الاختيار بهدف الحاق أكبر الخسائر، وكشف الثغرات الواسعة في اجراءات العدو الأمنية. أحد أصحاب المطعم المستهدف "بيني شارون" يقول (في المرة السابقة نجونا بمعجزة _ عشرون جريحاً فقط _ لكن ليس هناك الآن معجزة ثانية. هذه المرة أصعب بكثير، خاصة عندما تشاهد كل هؤلاء الموتى).

إن العملية / الحدث جاءت لتعيد للنهج السياسي المقاوم توهجه، ولتدعم بالفعل الكفاحي صمود الشعب وحكومته، ولتؤكد للعالم أن الدم العربي الفلسطيني المسفوح بآلة الدمار الصهيو أمريكية، لن يكون بلا ثمن! فآلاف الشهداء المدنيين من الفلسطينيين سقطوا على مدى السنوات الماضية من عمر الاحتلال والمقاومة. وللتحديد الزمني، فقد استشهد سبعون فلسطينياً منذ بداية العام الحالي، بينهم خمسة عشر طفلاً ورضيعا،ً فطائرات ودبابات ومدافع وفرق اغتيالات العدو لم تتوقف ليوم واحد عن قتل الفلسطينيين، وعمليات مصادرة الأراضي وهدم البيوت مستمرة بلا توقف، سواء كان على رأس السلطة والحكومة ياسر عرفات أو محمود عباس أو اسماعيل هنية، إنها الأيديولوجية الصهيونية القائمة على طرد وقتل وإبادة أصحاب الأرض. لقد أكدت العملية أن حركة الجهاد وقوى المقاومة المسلحة تمتلك قدرات هائلة قادرة على توجيه ضرباتها في المكان والزمان المحددين، فعمليات الرد الصاروخية المتطورة، والمواجهات المسلحة في أكثر من مكان (نابلس، طولكرم، جنين، الخليل) والأجساد الطاهرة للاستشهادين والاستشهاديات، _سلاحهم الاستراتيجي/ التدميري الخاص_ ستدفع بالعدو إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة، كخطوة على طريق انكفاء المشروع الاستيطاني الصهيوني وتحطيمه.

إن حكومة العدو بقيادة الارهابي "أولمرت" تواصل منذ أسابيع تنفيذ البرنامج الدموي ضد الشعب الفلسطيني، فالقصف الوحشي اليومي لقطاع غزة، والعملية العسكرية العدوانية في شمال الضفة والتي تحمل اسم "حديقة الجراء" تستهدف نشطاء المقاومة في محافظات "جنين وقلقيلية وطولكرم"، وعملية "الربيع الجديد" التي بدأت منذ حوالي أسبوعين في مدينة نابلس وقراها، تحاول تصفية مجموعات المقاومة بالمنطقة، عبر تصعيد وحشي لمخططها، من خلال اعتقال زوجات وأمهات المطاردين لمساومتهم، فقد اعتقلت في مدينة نابلس والدة وزوجة القائد في كتائب شهداء الأقصى" فادي قفيشة" وزوجة قائد كتائب العودة التابعة لحركة فتح "أبو عمار عكوبة" وأمهات الناشطين في كتائب شهداء الأقصى "سفيان قنديل، سامي استيته وأمين لبادة". إن هذه الاجراءات تدل على نهج جديد في الممارسات الصهيونية، يسعى مؤخراً لعدم الرد العسكري البري الواسع، حتى لاتخسر حكومة أولمرت "الدعم _ النفاق _ الدولي" الذي تحظى به في مواجهة الشعب الفلسطيني وحكومته الشرعية. إن الاندفاع الحكومي الصهيوني في طريق الانفصال من جانب واحد، بدأت ملامحه تتوضح من خلال الخطوات التي ظهرت في فصل شمال الضفة عن جنوبها، وحصار مدينة القدس بالجدار / الحدود بما يساهم بتهويد شرق المدينة عبر توسيع استطالات كتل المستعمرات لترتبط بأحياء المدينة الغربية، وتصعيد عمليات اغتيال قادة وكوادر فصائل وكتائب المقاومة المسلحة في الداخل والخارج.

إن مواجهة هذا البرنامج العدواني التدميري، يتطلب من الوطنيين الفلسطينيين في كل مواقعهم التحالف والتوحد. إن جهود كل الحريصين على نجاح برنامج الحكومة انصبت خلال الأسابيع الأخيرة من أجل إنهاء ازدواجية "سلطة الرأسين" وتحديد مهام عمل الحكومة ومؤسساتها على ضوء الأنظمة والقوانين السائدة. لكن العبارة / الموقف التي تضمنها تصريح "أبو مازن" في وصفه للعملية البطولية، وضع أكثر من عقبة في مسيرة العمل الوطني. لقد توقف المراقبون بدهشة أمام كلمة "حقيرة" التي وصف بها "الرئيس" العملية! لقد اعتاد شعبنا والعالم على سماع عبارات "الشجب والادانة والاستنكار" التي كان يطلقها أبو عمار عند حصول العمليات الاستشهادية، وعلى الرغم من استنكار قطاعات شعبنا لذلك، إلاّ أن البعض كان يرى فيها "ضرورة ديبلوماسية / سياسية يفرضها المركز الأول"، لكن أبومازن تجاوز المألوف لموقفه ومركزه. لقد وجّه بعبارته الإهانة لآلاف الشهداء، وأصاب مشاعر وعقول الملايين من أبناء شعبنا وأمتنا. إن رفض شعبنا لوصف أبطاله وشهدائه بهذه النعوت اللاأخلاقية، دليل على مكانة هؤلاء الاستشهاديين في عقول وقلوب الملايين. لقد عبرت الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية عن شجبها وادانتها لهذا الموقف، واستجابت لرغبات ونداءات أبناء شعبنا، في مطالبتها لأبي مازن في "الاعتذار العلني" على ماوصفه البعض بأنه "زلة لسان"!

إن جرائم الاحتلال بحق شعبنا أولاً، وباستهدافها لقياداته تالياً، تندرج جميعها في توصيف مرادف لتلك العبارة، فعمليات إغتيال "أبو عمار، أبو جهاد، أبو علي مصطفى، أحمد ياسين، عبد العزيز الرنتيسي، فتحي الشقاقي، رائد الكرمي، خالد الدحدوح" والآلاف غيرهم من أبناء وبنات شعبنا، هي أعمال تتطلب عبارات أكثر من "إدانة واستنكار" يصر عليها أبومازن كلما تحدث عن عمليات العدو ضد شعبنا. أما موقف الحكومة الفلسطينية كما عبر عنه أكثر من مصدر مسؤول، فقد جاء متوافقاً مع برنامج المقاومة، واصفاً العملية بـ "أنها نتيجة طبيعة للعدوان المستمر، وهي دفاع عن النفس".

إن أوسمة البطولة وأكاليل الغار هي التي تزين صور الشهداء، وشعبنا داخل الأراضي المحتلة الذي يضع شهداءه في المكانة التي يستحقونها، تحركت المئات منه لزيارة عائلة الاستشهادي "سامر" وهذا ماأكده عمه "محمود حماد" (نحن نستقبل المهنئين، وكل أبناء المنطقة حضروا لبيتنا. إن العائلة تعتبر سامر بطلاً وهو قام بردة فعل على قتل اسرائيل للأطفال والقصف اليومي والحصار والقتل بالجملة لشعبنا. نحن الكبار تهزنا مناظر الذبح والقتل اليومي للفلسطينيين وأصبحنا نحب الموت على هذه الحياة، وهذا رد فعل طبيعي على هذه المجازر). إن شعبنا الذي يفخر بشهدائه وأسراه ومناضليه، بحاجة لقيادة مؤتمنة على تضحياته وأهدافه وتطلعاته، وهو قادر بالعملية الديمقراطية على اختيار الرئيس المناسب لقيادته نحو النصر.