هآرتس

لإسرائيل بضعة خيارات في كيفية التصدي للمشكلة الناشئة في أعقاب الانتخابات في السلطة. الخيار الأول يمكن وصفه بـ"الفصل بين الأفعال والأقوال". المؤيدون لهذا الخيار هم فلسطينيون معتدلون ومحافل أوروبية ينتقدون الايديولوجيا الحربية لحماس ولكنهم يبحثون عن السبيل لمنع مواجهة عسكرية بين اسرائيل والفلسطينيين. وفي الادارة الاسرائيلية لا توجد شخصيات بارزة تؤيد هذا الخيار، الذي من شأنه أن يضلل الرأي العام. فهو يضمن هدوء لفترة ما، يحسن أوضاع البورصة والاقتصاد السياسي. حسب الخيار الأول، على اسرائيل أن تفصل بين ما تقوله وتعلنه حماس وبين ما تفعله ضدها. في الأقوال وفي التصريحات حماس ستبقى متطرفة ومهددة: الحركة لن تلغي ميثاقها، لن تعترف باسرئيل ولن تتبنى الاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير معها. بل ان حماس ستدعي بأن من حقها انتهاج العنف رداً على خرق الحكومة الاسرائيلية. وبالمقابل، في الحياة اليومية ستمتنع حماس عن أعمال العنف ضد اسرائيل. وحسب المؤيدين لهذا الخيار فإن هذا هو الأمر المقرر. مؤيدون عرب لهذا الخيار يقولون إنه مجد لاسرائيل لأن حماس لن توقف فقط الارهاب، وستفرضه على منظمات مثل الجهاد الاسلامي وذلك لمنع رد شديد من جانب اسرائيل على أعمال العنف ضدها. هذا الخيار سيوفر على اسرائيل التوقيع على اتفاقيات تستوجب تنازلات كثيرة، تتضمن تفكيك مستوطنات ومواجهة مع المستوطنين. الخيار الثاني، الذي يمكن تسميته "باستبدال الحكم"، تتركز الجهود على إفشال حكومة حماس ودفعها نحو السقوط. حسب هذا الخيار، ينبغي الاثقال على الحكومة في كل المجالات وإقناع السكان الفلسطينيين بأنه كان من الخطأ انتخاب حكومة متطرفة. واستبدال الحكم سيتحقق في النهاية من خلال انتخابات جديدة في السلطة. هذا الخيار يندرج ضمن إرادة فتح، التي تسعى هي الأخرى الى إفشال حكومة حماس، وهذه شراكة خطيرة. من أجل إفشال حماس، فإن بعض القوى في فتح مستعدة لأن تنفذ ـ دون الاعتراف بذلك، أعمالاً إرهابية ضد اسرائيل كي ترد هذه ضد حكومة حماس. ومن المشكوك فيه أن يكون بوسع أبو مازن وشركائه في فتح أن يتوصلوا الى استبدال السلطة بوسائل قانونية. على أي حال، فإن هذا الخيار أيضاً سيجد أن اتفاقات أوسلو لم تعد ذات صلة. اتفاق باريس واتفاق القاهرة تبددا. ولا ذكر للتفاهمات، هذا إذا كانت هناك مثل هذه الأمور، من محادثات طابا. وبالتأكيد تفاهمات جنيف، التي تمت بين الحركتين الجماهيريتين والتي لم يتفق عليها نهائياً أبداً، قد قضت نحبها. في الطرف الآخر يقف أولئك الذين يزعمون بأنه بالذات لأسباب أمنية يجب الحذر من تدمير الاقتصاد الفلسطيني. وبرأيهم محظور الوصول الى وضع تقف فيه اسرائيل حيال جماهير جياع. وبالاجمال، هذا خيار لا ثقة في نجاحه بل ويحتمل أن يؤدي الى رد فعل معاكس في الجانب الفلسطيني. "أغيار السبت" هو الاسم المناسب للخيار الثالث. يتبيّن أنه في قيادة السلطة في اسرائيل، بما في ذلك الجيش الاسرائيلي هناك من يتحدث عن الحاجة الى البحث عن وسطاء صامتين في مواضيع الحياة اليومية بين اسرائيل وحماس. صحيح أن القيادة السياسية أمرت بحزم بعدم إجراء اتصالات مع حكومة حماس، إلا أن من الواضح ضرورة إيجاد السبل لمنع الانهيار التام. هذا يتقرر حسب المصالح الاسرائيلية ويتم مع محافل محلية وليس مع الوزارات الحكومية لحماس. ويبدو أن رئيس الأركان دان حلوتس يرفض هذا النهج، إذ أن فيه تآكلاً للموقف المبدئي الاسرائيلي. ويدعي حلوتس منذ زمن بعيد أن حماس قادرة على أن تزود الجمهور الفلسطيني بكل احتياجاته دون الحديث مع اسرائيل. وفي محادثات داخلية يقول زعماء حماس، إن اسرائيل ستأتي إليهم في النهاية باقتراحات لاجراء اتصالات جارية. الخطر في هذا الخيار هو أنه سيحصل فيه في آن واحد، أمران متعارضان. فمن جهة، القطيعة عن حكومة السلطة ستكون جزئية، واسرائيل ستجد نفسها تقدم مساعدة تعزز حماس. الوسطاء أو "أغيار السبت" سيعملون على نطاق كامل وسيوسعون على مدى الزمن نشاطاتهم. ومن جهة أخرى، فإن الارهاب ضد اسرائيل سيستمر وإن كان على مستوى منخفض نسبياً. حماس ستتجاهل نشاط الجهاد الاسلامي وغيرها من المنظمات. وإطلاق صواريخ القسام والكاتيوشا بعيدة المدى ستستمر كالمعتاد سواء بغض النظر من قبل حماس أو حتى في ظل المساعدة للمنظمات التي تنفذ الارهاب. الخيار الرابع هو "الحرب الآن". هذا الخيار العسكري، الأكثر تطرفاً. وهو يقوم على أساس تقدير للوضع يفيد بأن لا مجال ولا أمل في التوصل الى اتفاق أو حلول وسط مع حماس وأهدافها. فإذا كانت حماس تريد تغيير أهدافها الاستراتيجية، فهذه لن تعود حماس بل تنظيم آخر. هذا الخيار له مؤيدون كثيرون في هيئة الأركان. فإذا ما استمر الارهاب حتى على مستوى منخفض ينبغي الاعلان الآن عن الحرب المبادر لها ضد المهاجمين، بدل عمليات رد فعل وانتقام. هكذا كانت ستتصرف كل دولة عادية، بمعنى يجب أن نرى في حماس عدواً يجب إبادته. المؤيدون لهذا الخيار يقولون يجب عمل ذلك في أقرب وقت ممكن وعدم السماح لحماس بتنظيم نفسها وجمع قواها. المواجهة العسكرية مع حماس ستقع على أي حال في المستقبل ومن الأفضل إدارتها في أقرب وقت ممكن. على اسرائيل أن تستبق وتختار الطريقة والنهج الأكثر راحة من ناحيتها. وإذا لم تفعل ذلك في أقرب وقت ممكن يحتمل أن تكون أمور لا يمكن عملها أو تسمح لنفسها بها في المستقبل. العيب البارز لهذا الخيار هو أن ليس فيه تفكير حقيقي عما ينبغي لاسرائيل أن تفعله بعد أن تبيد حماس. فقد بتنا نعرف منذ الآن أن احتلال غزة أسوأ من تبادل النار معها. سيناريوات أخرى يحتمل بالطبع أن السيناريو الذي سينشأ سيتضمن عناصر مختلفة من كل الخيارات. ما يقلق اسرائيل اليوم أكثر من أي شيء آخر هو أن حماس ستختار خياراً خاصاً بها يسمى "الهدنة من طرف واحد". في مثل هذا الوضع لن تقبل حماس الشروط التي طرحتها عليها الأسرة الدولية، ولكنها ستمتنع عن أعمال الارهاب وستنتظر التطورات في المستقبل. وهذا انطلاقاً من الافتراض بأن الاسرائيليين المتعطشين الى الهدوء الأمني الفوري سيقبلون بذلك حتى مع العلم بأنه من خلف الهدوء ستتسلل إيران الى جوارنا وتهدد الأردن أيضاً. إمكانية أخرى هي أن حكومة اسرائيل، ايهود أولمرت ستحث خطوة كبرى من فك الارتباط ـ الانطواء الاضافية. مثل هذه الخطوة ستقلص الاحتلال الاسرائيلي والسيطرة على الشعب الفلسطيني. وسترى حماس في ذلك هروباً اسرائيلياً آخر. والفلسطينيون، وليس فقط حماس سيرفضون أن يروا في خط "الانطواء الجديد" حدوداً متفقاً عليها. من الناحية العسكرية الانطواء يسهل على اسرائيل، ولكن واضح أن الخط الجديد سيكون أيضاً أساساً جديداً لمواصلة الحرب مع اسرائيل مثلما حصل في قطاع غزة. إذا كانت هناك فرصة لتأييد دولي لاسرائيل فإنها تكمن قبل كل شيء في موافقتها على خارطة الطريق حتى وإن لم تكن مثالية.