ألا تشعر مثلي بالحزن لحماس؟

ألا تشعر بالاحباط ان حماس لا تؤخذ على محمل الجد كقوة سياسية لها تأثير. من هو المسؤول عن هذا الوضع المحزن. لماذا يقف جميع العالم ضد حماس باستثناء ايران؟ وهل ستتخلى ايران عن حماس عندما تجد أن مصلحتها الوطنية أهم من الايديولوجية الدينية التي تربطها بحماس. اذا يمكن القول أن حماس تعاني من عزلة شبه تامة. اسرائيل تتجاهل حماس ولم تقم بالرد الحاسم على عملية التفجير الذاتي قبل عدة ايام في محل بيع فلافل في محطة حافلات في تل ابيب.

رغم انني لست متحمسا لحماس أو لأي حزب يستند على أيديولوجيات دينية الا اني أشعر بالحزن والأسى على الطريقة التي تعاملت بها الدول العربية والغربية والعالم مع حماس.

ولكن السؤال يبقى هل حماس طرف بريء ولا يرتكب الاخطاء وهل تصرفات وتصريحات شخصيات حماس البارزة من أمثال خالد مشعل تخدم مصلحة الشعب الفلسطيني. خالد مشعل يؤجج ويهدد ولكنه غير قادر على التنفيذ ولا يقدم ما هو ايجابي للشعب الفلسطيني لذا يمكن تجاهله ايضا. يبدو ان هواية خالد مشعل هذه الايام هي تمجيد الحكام الدكتاتوريين والقاء الخطابات المليئة بالشعارات والتي لا تعني شيئا لمن يرزحوا تحت وطأة الاحتلال وللعاطلين عن العمل وطوابير الذين يتم اذلالهم على الحواجز الاسرائيلية.

حماس كانت تظن انها اذا ربحت الانتخابات ستستطيع أن تضع بصمتها على المجتمع الفلسطيني والاقليمي والدولي وان يتم قبولها والاعتراف بها وكانت حماس متحمسة لوضع اسرائيل في مكانها واجبارها على المساومة الحقيقية والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني وغيرها من الاحلام. ولكن ماذا حدث؟

لماذا لا يأخذ العالم حماس على محمل الجد كقوة سياسية قادرة على التغيير؟ لماذا لا تستطيع حماس ان تتذوق طعم ثمرة النجاح الانتخابي وتستفيد منها سياسيا لتحقيق مكاسب للشعب الفلسطيني؟ لماذا حلق العرب لحماس عالناشف في اللحظة الحرجة؟.

قرأنا كثيرا من التحليلات والتعليلات والتصريحات وكلها تشير الى شيء واحد وهو فشل حماس في الانتقال من قوة مسلحة تلجأ للعنف لتحقيق أهداف سياسية الى قوة سياسية أو على الأقل فشل اعلام حماس باقناع العالم انها منظومة سياسية تريد التعامل مع الواقع وليس مع الأوهام.

خذ الأمثلة التالية على التخبط الحماسي:

زيارة موسكو كانت فرصة ضائعة

موسكو كانت تأمل انها بدعوتها لحماس ستعطيها الفرصة من هذا المنبر العالمي أن تطرح مشروع سلام حقيقي وتنبذ العنف كما يطلب العالم والدول العربية ومحمود عباس. بل أطلقت تصاريح مبهمة غامضة قابلة لعدة تفسيرات. فشلت في انتهاز الفرصة لتقول للعالم ) نعم نقبل بحق اسرائيل في الوجود اذا هي قبلت بحقنا وسنقوم باعتراف رسمي كامل من خلال التفاوض(. لم يقولوا أي شيء في هذا القبيل وبوضوح. خاب أمل الرّوس والعالم واستفادت اسرائيل من هذا الموقف السلبي. لم تقل حماس شيئا يحرج اسرائيل ويضعها في الزاوية وينقل الكرة للملعب الاسرائيلي. ولكن العباقرة وعلى رأسهم خالد مشعل قرروا انقاذ اسرائيل في اللحظة الحرجة. لذا وجدت اسرائيل نفسها غير ملزمة ان تفعل شيئا سوى الاعلان عن خطوات احادية الجانب وان تقنع العالم ان حماس تريد تدمير اسرائيل وهي منظمة ارهابية الخ. اسرائيل استفادت من زيارة موسكو اكثر مما استفادت حماس والشعب الفلسطيني.

تخبط وزير الخارجية:

أوائل الشهر الحالي رأينا وزير خارجية دولة لا تزال تحت الاحتلال يبدأ نشاطه الاعلامي بتكذيب رسالة ارسلت لكوفي عنان تلمح عن قبول مبدأ دولتبين اسرائيلية وفلسطينية جنبا الى جنب. هذا دليل واضح على فشل اعلامي وتخبط في صفوف هواة اعلام وسياسية وديبلوماسية غير مؤهلين للمسؤولية الضخمة.

يعلن وزير الخارجية عن سفره الى الصين وبكين ترفض قائلة انها لم توافق على الزيارة. ألم يكن من اللائق التنسيق مع بكين قبل الاعلان عن الزيارة؟ يذهب وزير الخارجية الى القاهرة وماذا يحدث: يحلق له وزير الخارجية المصري على الناشف ويتجاهلة ويترك المهمة لرئيس المخابرات عمر سليمان. الأردن ترفض استقباله والاهانات تتواصل وللمزيد الرجاء الرجوع لمقالة د احمد ابو مطر في ايلاف قبل يومين او ثلاثة.

والخطأ الأعظم والكارثة الكبرى حدثت قبل 5 أعوام تقريبا:

كان هناك فرصة تاريخية هامة لم تستغلها حماس والفصائل الفلسطينية المختلفة وهي الاعلان للعالم بعد حوادث 11 ايلول 2001 ان هذه الفصائل ستتوقف حالا وفوريا عن أعمال العنف ضد المدنيين وستتوقف عن استهداف المدنيين في محلات الفلافل والبيتزا والمقاهي والحافلات وغيرها من الأهداف الرخوة. ولكنها تتمسك بحق مقاومة آلة الاحتلال العسكرية ما دام الاحتلال قائما. لم يحدث ذلك بل استمروا في النهج الخاطيء كأن 11 ايلول لم يحدث. فشلوا في قراءة المتغيرات على الساحتين الدولية والاقليمية.

لماذا لم تقف حماس والفصائل الأخرى وتستنكر أعمال الارهاب في نيويورك وتقول أنها سوف لا تستعمل العنف ضد المدنيين حتى لو استمرت اسرائيل في ارهابها ضد الشعب الفلسطيني. وما رأيناه في بعض المناطق الفلسطينية يوم 11 و 12 ايلول هو الهتاف والرقص وتوزيع الحلوى احتفالا بمقتل 3000 مدني أميركي على ايدي ارهابيين يعملوا تحت اشراف بن لادن. بهذا التصرف قدم الساذجون خدمة جليلة لاسرائيل وشارون.

حان الوقت للتذكير بقاعدة بديهية وهي أن اسرائيل لن تتزحزح شبرا واحدا في فلسطين بدون ضغط أميركي أو تدخل أميركي. علينا ان نتذكر أيضا أنه في تلك الفترة بالذات كانت الولايات المتحدة تخضع لضغوط شديدة من قبل الاتحاد الاوروبي والعالم العربي وروسيا لوضع ثقلها خلف الحل الديبلوماسي للنزاع العربي الاسرائيلي. وفي الوقت ذاته كان شارون يحاول ايجاد الذريعة تلو الأخرى ليتملص من الالتزامات المتراكمة عليه.

استدعاه بوش لزيارة واشنطن ليضع الضغوط اللازمة عليه ويطلب منه التنفيذ. واثناء الزيارة في ايلول 2001 اي اسبوعين بعد حوادث 11 ايلول 2001 قام العباقرة بانقاذ شارون حيث تم تنفيذ عمليات تفجير ذاتي في محل بيتزا ومقهى في غرب القدس. وهذا ما كان يتمناه شارون وتحقق حلمه وحصل على ما يريد.

نجح في اقناع الادارة الاميركية ان اسرائيل هي أيضا ضحية للارهاب، رغم محاولات كولن باول وزير الخارجية الاميركي انذاك ان يجد فرقا للتمييز بين حوادث 11 ايلول وبين المقاومة الفلسطينية. نجح شارون في اقحام نفسه في معسكر مكافحة الارهاب. شكرا جزيلا لاغبياء المقاومة الفلسطينية الذين انقذوا شارون في اللحظة الحاسمة. ( قلت هذا على التلفزيون اكثر من مرة في اواخر عام 2001 وفي عام 2002). حصل شارون على الضؤ الاخضر لاقتحام الاراضي الفلسطينية وقتل مئات من النشطاء وعزل عرفات وحصاره حتى آخر ايامه.

أباؤنا دفعوا ثمن الهولوكوست وها نحن ندفع ثمن 11 ايلول 2001. وأذكر جيدا أنني قلت على التلفزيون عدة مرات أن هذه فرصة تاريخية لفصائل المقاومة ان تعيد حسابتها لأنه بعد 11 أيلول 2001 العالم لا يقبل قتل واستهداف المدنيين في المطاعم والفنادق والمقاهي والباصات لتحقيق أهداف سياسية. ولكن الفصائل المتنافسة أصرت على مواصلة اعمال التفجير الذاتي في صفوف مدنيين.

العقلية الغربية لا تقبل قتل مدنيين ابرياء مهما كانت الاسباب والمبررات. وفي مقابلة مع محطة أوروبية تتعلق باحداث 11 ايلول قلت ( على اعضاء الجيش الجمهوري الايرلندي ان يجدوا وظائف أخرى). العالم لم يعد يقبل الارهاب كوسيلة للضغط السياسي. و توصل الايرلنديون لقناعة تامة ان الارهاب والعنف لن يحقق الهدف.

الكارثة الأخرى: خلال مؤتمر قمة بيروت في ربيع عام 2002 وبعد طرح المبادرة السعودية الهامة مباشرة تم تنفيذ عملية تفجير ذاتي في فندق اسرائيلي. انتقل اهتمام العالم من المبادرة الهامة لاسرائيل الضحية وردود فعل اسرائيل المنتظرة. اسرائيل استفادت وتلاشت المبادرة.

لنقوم الآن بجرد المخزن السياسي ومحتوياته ونتساءل من الرابح ومن الخاسر؟ من الواضح ان الشعب الفلسطيني دفع ثمن غباء الفصائل التي تعمل بدون تخطيط او تنسيق. ذكاء ودهاء اسرائيل تغلّب على غباء الفلسطينيين.

تطورات حديثة وتنبؤات:

العملية الأخيرة في مطعم الفلافل الاستراتيجي وقتل 9 أشخاص سوف لا يساعد حماس أبدا. فرصة اخرى هدرت عندما لم يستطع متحدث باسم حماس ان يقول:( نعم ندين عمليات قتل الابرياء والمدنيين مهما كانت جنسيتهم ومهما كانت الاسباب بما فيهم التسعة الذين قتلوا في العملية الاخيرة والفلسطينين الذين تقتلهم اسرائيل). هذا كان يكفي ويتضمن قتل الابرياء والمدنيين الفلسطينيين. ولكن صوت العقلانية والبراغماتية جاء من محمود عباس. ولكن حماس المسؤولة عن حماية الشعب الفلسطيني اختارت ان تبرر العملية وأضاعت فرصة أخرى لتثبت للعالم أنها حزب سياسي مسؤول. المستفيد من العملية سياسيا واعلاميا هي اسرائيل. الخاسر كالعادة الشعب الفلسطيني.

اسرائيل قررت أن لا تقوم بعمل انتقامي سريع. هذا ليس حبا في السلام والهدؤ بل دهاء وذكاء ومكر. حيث نجحت اسرائيل في استقطاب عطف العالم كضحية للارهاب الفلسطيني (هكذا يصفوا المقاومة الفلسطينية). والآن تنتظر اسرائيل بفارغ الصبر حدوث عملية أخرى جديدة لكي تحصل على التبرير والضؤ الأخضر لاستهداف عناصر حماس البارزين. اسرائيل قد تعيد احتلال غزة وتقوم بتدمير حماس تدميرا كليا وهذا فقط مسألة وقت.

هل ستفيق حماس وتتصرف بطريقة مسؤولة قبل فوات الآوان. وفي الوقت ذاته خالد مشعل مشغول بالقاء الخطابات النارية والشعب الفلسطيني يحترق تحت وطأة الاحتلال والانفلات الأمني والحصار والجوع.