نزار صبـــاغ

تتردد كثيراً عبارات متنوعة عن أهمية الاستثمار في "تنمية الموارد البشرية" و "التنمية المستدامة" ، وتقام الندوات وتدبلج المقالات لتأكيد الأهمية المستقبلية لهذا الجانب ، كما تتردد العبارات ضمن أقاويل و "توجيهات" المسؤولين عند لقاءاتهم مع المواطنين ، وكما في الصحف الرسمية ... مما يؤكد مدى التركيز على الاهتمام في الإنسان / المواطن كقيمة ، وأهميته للمجتمع والوطن ... لا كمجرد رقم .

يرتبط الأمر بعدة جوانب تتعلق بعوامل التقدم كافة ، ثقافية واجتماعية وصناعية وزراعية وسياحية ، وتنفيذ متطلباتها بما يوافق الاهتمام المذكور في "تنمية الموارد البشرية" و "التنمية المستدامة" وفي الإنسان / المواطن كقيمة .

هذا الموضوع الذي لم يكن مطروحاً من قبل ، بل ويمكن القول أنه كان مستهجناً ، في ظل التركيز على متطلبات الثقافة "الثورية" والتركيز على "مصالح الجماهير العريضة من عمال وفلاحين ومثقفين ثوريين" ، - لكي لا أتهم بالتجني فقد يكون في المراتب الدنيا من سلالم الأولويات الكثيرة - ، هذا الموضوع تم التركيز عليه وتوجيه الأنظار نحوه في بدايات القرن الحالي بدءاً من خطاب القسم الشهير ، ثم تطور إلى ما نلمسه حالياً من بعضٍ من محاولات جادة ، من بعضٍ من جيلي السبعينات والثمانيات من القرن الماضي ، وحتى من أغلبية المثقفين المستقلين من الشرائح العمرية المتقدمة أو من جيل الشباب ، ومن ذوي الانتماءات الحزبية لبعض الأحزاب التي كانت تركز على الثقافة المجتمعية . لقد ذُكر الكثير عما تسببه "التراكمات" من المخزون المعرفي والثقافي التلقيني الإيديولوجي ، الذي كان محور الاهتمام والتركيز من قبل ... كما كان التطرق إلى تحليل للأوضاع التي كانت سائدة ، بدءاً من ستينات القرن الماضي "وقوانين التأميم" و"الإصلاح الزراعي" و"حكم الشعب للشعب" و"الدفاع عن مصالح العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين"وكيف أن التركيز على " تحطيم المؤامرات الهادفة للنيل من صمود الأمة العربية ومنعها من تحقيق أهدافها في الوحدة والحرية والاشتراكية" و "الصراع مع العدو والعملاء والامبريالية الرجعية" وغيرها ، تسبب بحدوث حالة من القناعة لدى الكثير ، بأنها العامل الأساس والكبير الذي نجم عنه الكثير من الأوضاع الداخلية إن لم يكن جميعها ... كما أن تكريس هيمنة اتجاه واحد في "قيادة الدولة والمجتمع" تسبب بحصول حالات متعددة ومختلفة من تضارب المصالح وضمن محاور مختلفة وبشكل عنيف أحياناً قبل بداية القرن الحالي. هذا من جانب .

ومن الجانب الآخر فقد نجم عنه الابتعاد عن مفهوم المواطنة والانتماء للوطن باتجاه تعميق الانتماء إلى العشيرة والقبيلة والطائفة وحتى المذهب الديني ( دون الخوض في القصد بذلك أو رد الفعل ) ، كما تسبب بالازدياد في حالات الفساد وحتى في المستويات القيادية العليا والتي أدت إلى تكريسها كثقافة عامة أسميت " ثقافة الفساد والمحسوبيات والولاءات الشخصية"، الأمر الذي لُمِسَ بوضوح حين وبعد أي تبديل لمدراء عامين أو وزراء أو محافظين وحتى عند تبديل مدراء فرعيين ... كما نجم عنه انتشار مفهوم "القيادة الحكيمة" ضمن جميع المراتب المفصلية والوظيفية بحيث لم يعد يقتصر على رئيس البلاد بل وصل حتى إلى رئاسة الدوائر والمديريات بحيث لم يعد يتمكن أي كان من إبداء وجهة نظره أمام مدير صغير في بلدية صغيرة . توافق استخدام تعبير "دولة المؤسسات" مع ما ذكرت سابقاً ، وبعد إطلاق "مسيرة التطوير والتحديث" ... وتضاربت المصالح مجدداً مع البدء بالتنفيذ لبعض الخطوات الجادة ، مصالح العديد من أصحاب القرار ومؤيديهم ومريديهم الكثر الذين يتحكمون كما تتحكم بهم ، الولاءات والارتباطات والتحالفات ثم التحزّبات وكذلك الاستثمارات ولوازم "ثقافة الفساد" كما لوازم "الحزب القائد للدولة والمجتمع" والتحالفات ضمن إطار "الجبهة الوطنية التقدمية" ، وكذلك الانتماءات والاصطفافات القبلية والعشائرية والمذهبية الدينية ، وصولاً إلى اغتيال الحريري وما لحقه من أحداث وخلفيات واستقراءات ، وإلى خدام والتحالفات الجديدة و"المعارضة الوطنية" أو "المعارضة العميلة" .

سئلت عديداً من أكون وماذا أعني فيما أكتب وأقول ... إني مواطن سوري من مجموع مواطني مؤمن بحقيقة وجوده وانتمائه إلى أرض طبيعية ، يعيش كما ولد عليها ومن خيراتها ، لم يخترها كما لم يختر أبويه وأسرته كما لم يختر مذهبه الديني الذي وجد نفسه عليه ، مؤمناً بالله وأنه لعموم البشرية رافضاً للاصطفافات وللصراعات الطائفية المذهبية والقبلية العشائرية ، ورافضاً لإقحام الدين في شؤون الحكم والسياسة والإدارة المدنية والسياسية ... مواطن من مجموع مواطني متابع ومحلل ومفكر ومدرك رغم اختلاف وجهات النظر في بعض التفاصيل ... مجموع مهتم بما حصل ويحصل في الساحة الداخلية وحوله في الساحتين الإقليمية والعالمية ، من تطورات وأحداث ومجريات وتبديلات أو تعديلات أو تغييرات في الرؤى والاستراتيجيات وما يتطلبه تنفيذها من اجراءات وتكتيكات وتعميق الاصطفافات ... مجموع يهمه وجود بلاده ومصلحتها ضمن استراتيجية حقيقية وعميقة لا أن يكون وبلاده وسيلة في صراعات وحروب الأقوياء .

مواطن من مجموع مواطني يهمه مستقبله وأهله كما تهمه كرامته الحقيقية لا الوهمية ، مجموع يهمه الخروج من بوتقة المزاودات وترديد الشعارات كالببغاوات وثقافة الكذب والوهم والنفاق ... مجموع يدرك أن المسؤولين من رئيس الوزراء وحتى الحجاب مسؤولون عن خدمة الوطن المواطنين ومساءلون تجاههم ، مجموع يرغب بأن يكون "ممثليه في البرلمان" والإدارات المحلية على قدر كبير من الوعي وتحمل المسؤولية وعلى قدر من الصلاحيات والمسؤولية ولأجل مصلحة الوطن والمواطنين لا لمصلة الأولياء ومصالحهم الشخصية ... مواطن من مجموع مواطني يسعى إلى تحقيق إصلاح كامل في الهيكليات والنظم والكيفيات الإدارية لمفاصل الإنتاج من شركات ومؤسسات دفع قيمتها ويسدد خساراتها من ثروته الوطنية، مجموع يتألم من هجرة الكفاءات ومن تهميشها في الوطن ، مجموع لا يسعى إلى النيل من هيبة الدولة وإضعاف نفسية الأمة، مجموع يطلب من الجميع تحمل المسؤولية والمشاركة في العمل لأجل الوطن والمصلحة العامة الحقيقية ... مواطن من مجموع مواطني يطالب بإنهاء العمل بأحكام قانون الطوارئ وبفصل حقيقي للسلطات تحقيقاً وتطبيقاً لمفهوم "دولة المؤسسات".

نعلم أكيداً ما تم تنفيذه من خطوات على الصعيد الداخلي في المرحلة الزمنية السابقة منذ بداية القرن الحالي وحتى الآن ، كما نعلم كمّ وعديد النشاطات التفاعلية والإجراءات العملية وكيفيتها وعناصرها ودوراتها التدريبية وخبراتها المستقطبة الواردة ودراساتها الواقعية ونتائجها ، كما نعلم عن هيئة مكافحة البطالة و"فردوس" و"نماء" وغيرها ، ونعلم الكثير من مشمولات وإجراءات " التنمية المستدامة" و "تنمية الموارد البشرية" و "دولة المؤسسات" ، ونعلم عن عديد المراسيم وما حصل جراء صدور "تفسيراتها" وإعادة توظيفها وتدخلات الجهاز البيروقراطي الضخم وولاءاته المتنوعة ... كما نعلم كيف أن العديد من الجهود والأفكار تذهب سدى . وكيف يتم حقيقة تنفيذ المبدأ القائل بفصل "الحزب / حزب البعث " عن الدولة .

ونعلم كذلك أن مبادئ ومنطلقات حزب البعث وأي حزب كان ، هي مبادئ تحمل قدراً من المثالية باعتبارها مرتكزاً للانطلاق بعمل جماعي منظم في سبيل تحقيق مصلحة الوطن والأمة حسبما ترتئيه تلك الأحزاب في منطلقاتها ، وان تلك المبادئ والمنطلقات قابلة للتعديل بمرور الزمن بما يوافق المتغيرات الفكرية والثقافية والاستراتيجيات ضمن الساحتين الإقليمية والدولية، هذا الموضوع الذي تردد في طروحات وأقوال وكتابات ودعوات كثيرة ، قبل وخلال وحتى بعد المؤتمر القطري الأخير لحزب البعث العربي الاشتراكي ، توافقاً مع التعديل الكبير في الهدف الأخير من أهداف حزب البعث ، أي الاشتراكية ... تلك الطروحات التي صدرت ممن هم مشهود لهم بالالتزام والصراحة ونظافة الكف وحس المواطنة من منتسبي حزب البعث ، والتي ترافقت مع دعوات جادة صادرة عن كثيرين بضرورة الخروج من التنسيب إلى الانتساب الحقيقي .

ونعلم أيضاً أنه من الصعب جداً ، ومن الخروج عن الواقعية ، أن تكون ذات الرموز الفكرية والقيادية وخريجيها خلال عقود، مسؤولون عما يتوجب فعله وتنفيذه في المرحلة الراهنة ضمن "مسيرة التطوير والتحديث" ... كما نعلم أن الاسطوانة المشروخة تكرر مفرداتها وعباراتها ، وكأن ما نعلمه ونراه من ممارسات عودة إلى مفهوم الاسطوانة إياها .

كان خطاب القسم مرجعاً للكثير ، تحديداً للاستراتيجيات الداخلية والخارجية ، وللكثير من الطروحات والاندفاعات ، كما للكثير من حالات التفاعل الجديدة ، لأنه حمل – ولا يزال – حالة جديدة نسبياً بقدر كبير من الحضارة والارتقاء الإنساني والمجتمعي والسياسي كما التأكيد على حس الانتماء للوطن وللأمة القومية ... حمل قدراً كبيراً مما تدركه وتعلمه وتتطلبه الأغلبية الصامتة ، وتطمح إلى تحقيقه ووجوده .

هذه الحالات وغيرها البعض مما ذكرت ، عبارة عن وسيلة من الوسائل الناجعة لتحريك تلك الأغلبية الصامتة بشكل يمكن له أن يحقق وبفاعلية " دولة المؤسسات " ، ويمكن له استنباط الكثير من الوسائل والآليات التي تنحو باتجاه تحقيق المشاركة الفاعلة من عموم المواطنين عن طريق خلق آليات مجتمعية حقيقية كالجمعيات والمنظمات الأهلية المستقلة دون أية وصاية، لا أحزاباً فقط . قد يكون جميعنا على درجة من اليقين بأن هذه الآليات المجتمعية والأحزاب السياسة ، هي التي يمكن لها أن تساهم كبديل حقيقي عن المجتمعات العشائرية القبلية المغلقة وعن الإصطفافات الطائفية والمذهبية ، وهي التي يمكن لها أن تشكل رقابة مجتمعية حقيقية فيما يتعلق بموضوع الفساد ، والتي يمكن أن تكون الرافعة في عملية النهوض الثقافي والاقتصادي واستقطاب الاستثمارات ، وهي القادرة على تحقيق حالة التوازن المطلوبة والفاعلة بما هي عليه شكل حقيقي من أشكال "دولة المؤسسات" والتطبيق الحقيقي لمبدأ " التنمية المستدامة " ، كما أنها وحدها القادرة على تنمية الشعور العام بالمسؤولية وتحقيق مبدأ العمل المؤسساتي الأهلي الصحيح وإشراك الجميع في عملية التنمية ... عوضاً عن إدارة المجتمع بسياسة " التجيير " والنفاق والتصفيق ، والرأي الواحد ، والاتجاه الواحد ، والانجازات الكلامية والورقية ، وإدارته بعقلية الموظف المحكوم بقرارات صادرة عن موظف محكوم ، وإدارته بعقلية الانتماءات والولاءات والاصطفافات والأكاديميات الوهمية .

يمكن لنا التأكيد على وجود حالات كثيرة وكبيرة من الممانعة في الوصول إلى هذا الجانب من جوانب الإصلاح والتطوير والتحديث الحقيقيين ، كاعتماد سياسة العراقيل والبيروقراطية الإدارية ووضع العصى في الدواليب ( كما يتعلق بالجمعيات الأهلية والتعميم الوارد بضرورة حصولها على موافقة الوزارة عن أي نشاط ستقوم به ، والشروحات والتعليمات التنفيذية المتعلقة بالقانون رقم /1/ لمخالفات البناء) هذا من جانب ، كما ممانعة التيارات الدينية التي تنمو باضطراد وتنحو باتجاه التدخل الفاعل والمباشر في الحياة سواء تحت مسمى " الإسلام هو الحل" أم تحت مسمى "الوسطية" ، والازدياد في الدعم المعنوي المتواصل لها من قبل أجهزة الدولة و"الحزب القائد" الذي يكاد يخرج عن نطاق العلمانية ، وكما تيار الأحزاب والمتحزبين الذين يشعرون بالخطر يتهدد مصالحهم جراء تحقيق وجود الآليات المجتمعية الجديدة ، من الجانب الآخر .

أعتقد بأني قد أكون جازماً حينما أذكر أنه لا يعقل كما لا يمكن ، التعامل مع العالم والانفتاح الإعلامي والثقافي والعلمي ومع شروط القرن الواحد والعشرين ، بأدوات متآكلة مترهلة وبثقافة عدمية وغيبية وبآليات قروسطية ، وفي ظل الإصرار على العمل بذات المخزون المعرفي والثقافي التلقيني الإيديولوجي وذات الخطاب الإعلامي وذات المعايير ، ذلك لأن نشر ثقافة الوعي مدخل أساس في عملية الإصلاح والتطوير والتحديث الحقيقية ... ثقافة الوعي التي تتطلب البدء من الصغر ومن المدارس في المراحل الأولى دون فصل للطلاب عن الطالبات بخيط وهمي بحجة " مكارم الأخلاق " ، والتي تتطلب تعويدهم بالممارسة العملية على الصدق أمام الغير كما مع الذات عوضاً عن الخداع جراء التناقض ما بين القول والفعل ، والتي تتطلب العدول عن منهاج التربية القومية المرتبطة تماماً بعقيدة سياسية فكرية محددة إلى " التربية الوطنية والاجتماعية " ، والتي تتطلب الخروج الفعلي عن المنهج التلقيني الغيبي إلى المنهج التفكيري ، والخروج عن خداع الذات والعيش بثقافة الوجهين ، والتي تتطلب الإيمان عملاً بأن النظافة من الإيمان لا لباس الحجاب والجلباب ، التي تتطلب العدول عن المفاخرة الوهمية والغيبية وتقديس التواريخ ، التي تتطلب الخروج من نطاق الأوصياء على المجموع والخروج عن الاستمرار في تطبيق مبدأ " ثقافة القطيع " وثقافة التنسيب ... التي تتطلب التفاعل الصحيح مع المواطن/الإنسان .

ذلك لأن نشر ثقافة الوعي الحقيقية هي الأساس في الوصول إلى التحقيق الفعلي لموضوعي " تنمية الموارد البشرية " و "التنمية المستدامة " ، كما هي الأساس في بناء " دولة المؤسسات " . تلك الثقافة التي لا يمكنها الوجود إلا بالآليات الجديدة التي سبق وذكرت ، وبالتحريك الفاعل للمواطن / الإنسان والتأكيد العملي بأنه قيمة أكيدة وفاعلة تعد خسارتها بمثابة الكارثة لا مجرد رقم في الحسابات .