عبد اللطيف مهنا

إسرائيل اليوم في أوج إحساسها المتضخم بقوتها... إسرائيل أبداً في أوج هاجسها القاتل بضعفها... لعلها معادلة غرائبية لا تجتمع ولن تجتمع في سواها، حيث مكتوب على هكذا كيان مفتعل له طبيعتها ووظيفتها أن يظل أسيرها، وأن يعيش المقدر له، وقد أُستنبت في غفلةٍ من التاريخ، تحت طائلتها. أي أنها ستظل ترزح في ظل قلق مصيريٍ دائم يرفد عدوانية من سماتها ستظل تلازمها... قلق لن تقو كل قوة الأرض، لو اجتمعت لها، وهذا ما يبدو أنه ليس بعيداً عن متناولها، ولا كل ضمانات قوى هذه الأرض، وهذا ما يكفله لها حتى الآن تواطؤ وانحيازات وحمايات أغلبها، ولا كل مظاهر ضعف وعجز وتهاون العرب، وهذه حال تمادت ولا يكاد يعرف لها حدوداً، على تبديده!

الإحساس الزائد بالقوة لدى إسرائيل يستند إلى جملة عوامل، تبدأ بما وفره ويوفره لها الغرب من وسائل القيام والبقاء المادية بعد البشرية والمتعددة المظاهر، الأمر الذي استمر ومنذ عملية البدء في اغتصاب فلسطين وحتى اللحظة، وأهمها، على وجه التحديد، ما تضخه الولايات المتحدة في أوصالها الاصطناعية النهمة من أمصال اقتصادية مستمرة الدفق، لا تقتصر على العطايا والهبات والتبرعات والمساعدات المادية الجارية فحسب، وإنما التقنيات والخبرات، وصولاً إلى توفير ترسانة موت حربية متطورة لا تتوفر نوعيتها لسواها من حلفاء وأتباع القوة الكونية الأعظم وعلى رأسهم حلف الأطلسي، بحيث غدا من تحصيل الحاصل القول أن الغرب لا يني يفي لها بما تعهد والتزم به دائماً، وهو أن يكون لها وحدها حق امتياز التفوق النوعي الدائم على كل المحيط العربي وجواره الإسلامي المفترض أنه المعادي لها... الأمر الذي يحقق بالتالي هدفاً آخراً، وهو تثبيتها في قلب المنطقة وضمان استقرارها ثكنةً متقدمة لهذا الغرب في هذا الجزء الهام من العالم ومركزاً مقرراً فيه... بما تمثله هذه المنطقة المستباحة من ثروات قيد النهب، أو أسواقاً مشرعة الأبواب للاحتكارات، وكجغرافياً استراتيجية لعلها الأهم في هذا العالم... وتنتهي عوامل هذه القوة، بما يوفره لها واقع حال كل هذا الانحدار العربي من فرص جراء العجز وأعراض التهاون وغياب الإرادة السياسية، تسعى إسرائيل من جانبها للإفادة منها وتأبيدها.

الإحساس بالضعف ، الأقرب إلى الفوبيا، مرده أمور ثلاثة: الأول: أن الإسرائيليين الذين صنع وجدانهم العنصري أصلاً في مستنبت الفاشيات والعنصريات في الحاضنة الاستعمارية الأوروبية، وكونته ثقافة الغيتو، والذين يعلمون في أعماقهم أنهم، وبعيداً عن كل ما ينفثونه من حولهم من أباطيل، أو ما دأبوا عليه من تزييف للحقائق وللتاريخ، وما يحيطون به أنفسهم ويتسلحون به من أساطير وخرافات هم أول من لا يصدقها، أنهم ليسوا سوى غزاة وغرباء دخلاء على هذه المنطقة من العالم، وإنهم أقاموا كيانهم الاغتصابي فيها مستفدين من حقبة أوروبية استعمارية، وأقاموه على إشلاء شعب آخر سعوا لتغييبه والحلول مكانه وعلى أرضه التي سلبوها منه... يدركون حقيقة أن لا شرعية للأمر الواقع الذي فرضوه ولا يقوون مهما حاولوا على نسيانها، وبالتالي يظلون نهب عدم الاطمئنان الأبدي المرعب إلى مستقبل وجودهم عنوةً في القلب من أمة مترامية الجغرافيا والتالريخ تستند إلى مخزون حضاري وثقافي وكفاحي هائل، ترفضهم ويأبى عليها وجدانها المستند إلى كل تلك المواريث قبولهم، وهم المعتدين، بين أطنابها.

الثاني، أن الشعب الذي كان شرط وجودهم الاغتصابي على أرضه هو محاولة نفيه أو تغييبه، بمعنى إبادته سياسياً، وحتى جسدياً، أو شطب وجوده الوطني نهائياً، أثبتت العقود الستة التي اعتقبت نكبته أنه ظل عصياً على التغييب صامداً في وجه المحن يوالي التضحيات الأسطورية في سبيل استعادة وطنه، ويبتكر... في أحلك المراحل التي مرّ بها، وفي ظل عدم التكافؤ في صراع فرض عليه، وحيث ميزان القوة المختل المائل بشكل درامي لصالح جبهة أعدائه... يبتكر الممكن من وسائله الكفاحية الخاصة والمتجددة، ولم تنجح كل وسائل وطرائق وأساليب القهر في كسر إرادته أو إخضاعه... بعيد النكبة لم يبق في فلسطين المحتلة عام 1948 إلا بضعة عشرات الآلاف من أهلها، وكانت غولدا مائير تقول: عندما يولد طفل فلسطيني فكإنما هو يجثم على صدري... كان أولئك الفلسطينيون أيامها عندما يولد لهم طفل يبرقون لها: استقبلنا مولوداً جديداً، وعلى صدوركم جاثمون! اليوم فلسطينيو عام 1948 أصبحوا مليوناً ونصف، ومع كامل فلسطيني كل فلسطين المحتلة، يعادلون تقريباً عدد اليهود المحتلين، وإذا ما أضيف لهم فلسطينيو الشتات أصبحوا ضعف هؤلاء الغزاة... إذن الفلسطينيون هم باقون ولم يغيِّبوا... أي فشلت الصهيونية في تحقيق أهم أهدافها الاستراتيجية... وعليه ما دام هناك شاهد واحد باقٍ على الجريمة فمن أين للمجرم أن يطمئن على نجاته من أن يطاله سيف العدالة ذات يوم، لا سيما وأن هذا الشاهد يصر على البقاء ولا ينفك يطالب بحقه غير القابل للتصرف؟!

الثالث: إن الإسرائيليين الذين كانوا الأكثر تحريضاً وتشجيعاً وحماسة للغزو الأمريكي للعراق، وحيث من المفروغ منه أنهم يعدون أول المستفيدين من نتائجه الكارثية على بلد يعد واحداً من أهم الركائز المفترضة للقوة العربية، بل تاريخياً من أهم روافع نهوض الأمة القومي، هم اليوم الأكثر قلقاً من تداعيات فشل المشروع الأمريكي هناك، والأكثر خشية مما سيلحق بالحليف الراعي جراء هذا الفشل الذي بدأت حتميته تلوح حتى للأمريكي البسيط الذي لا يعرف أين يقع هذا البلد في خارطة العالم... إنهم يرقبون بقلق تدني شعبية بوش في الشارع الأمريكي لتصل مؤخراً مستوى لم تصله شعبية متدينة لرئيس أمريكي سبقه، كما لا تخفى عليهم سطحية وعدم جدوى التغييرات التجميلية في الإدارة الأمريكية التي أقدم عليهم الرئيس بوش قبل أيام لتدارك استفحال تدني هذه الشعبية، كما لا يسعدهم أنباء انقسام الجنرالات الأمريكان المتقاعدين، بين مطالب بإقالة وزير الحرب رامسفيلد ومحاسبته على ما فعله بالولايات المتحدة وهيبتها، باعتباره مسؤولاً أولاً عن راهن الورطة في العراق، وبين مؤيد للوزير الفاشل، وعلى طريقة العالم الثالث: سيروا على بركات الله ونحن من ورائكم... والأهم، يقلقهم ما يبدو أنه اقتراب انفراط عقد المحافظين الجدد، بعد بدء البعض منهم في مراجعة مواقفهم أو محاولة إعادة حساباتهم، تمهيداً للهروب بأنفسهم من سفينتهم الاستباقية التي بدى لهم أن غرقها قد أصبح مسألة وقت، حيث بدأت أمواج المعارضة الشعبية تتشكل في لجة تعاظم كلفة الجموح الإمبراطوري للإدارة...

...بيد أن الإسرائيليين، وهم يعيشون فجور القوة الممزوج بفوبيا القلق المصيري القاتل، يأملون أيضاً أن رجلاً مثل بوش يدعي تلقيه إلهاماته التي تتحول إلى قرارات رئاسية مباشرةً من السماء، والذي جلبته الصدفة بالتعاون مع الكارتيلات ليتربع على عرش إمبراطورية كونية تخضع لقوانين السيرورة التاريخية للإمبراطوريات، أي لا تملك، وهي في أوج قوتها، وهذا من طبائع مثيلاتها عبر التاريخ، تراجعاً، أن مثله لا مناص له من الهروب إلا الأمام، أي أنه سوف يتمسك حتى نهاية ولايته بما يردده دائماً من أن كافة خياراته في المنطقة سوف تظل مفتوحة، وهذا يمكن ترجمته حرفياً بأن سياساته في المنطقة لن تتغير، لا في فلسطين ولا العراق ولا أفغانستان، وأخيراً إيران...

وكذا الأمر بالنسبة لحروبه الكونية عموماً المعروفة بالحرب على الإرهاب... وعليه فهم، أي الإسرائيليين، يحاولون الإفادة ما أمكن من هذه اللحظة الأمريكية التي يعلمون أنها زائلة أو في طريقها إلى الزوال، والتي تتقاطع استهدافاتها مع استهدافاتهم، وتتطابق فيها سياساتها مع سياساتهم، بحيث غدت استراتيجيتهم الصهيونية تفصيلاً في تلك الأمريكية الكبرى وتندرج، أو تحرص على الاندراج، تحت مظلتها... إنهم يعتقدون إنها فرصتهم التي لن تتكرر لتصفية القضية الفلسطينية نهائياً وانتزاع قبول العرب أو تسليمهم بذلك، والتي عليهم انتهازها، وقبل فوات الآوان. من هنا سر هذه العربدة الإسرائيلية الدموية في غزة والضفة، وتلك المتمثلة في قرارات حكومة أولمرت الأخيرة إثر عملية يوم الأسير الاستشهادية في تل أبيب، القرارات التي تحاول بالحديث عن الأمن أن تخفي ما هو أهمها، أي اتخاذ خطوات تهويدية الجوهر والهدف بفصل شمالي الضفة الغربية عن جنوبها. إلى جانب تكثيف عمليات الاغتيالات الجارية والاجتياحات المستمرة، وآخرها ذات المسميات المعلنة مثل "الربيع الجديد" و"حديقة الجراء" في نابلس وشمالي الضفة، وطرد المقدسيين من نواب حماس في التشريعي إذا لم يتخلوا عن عضويته ويلتزموا بيوتهم، واستمرار الحصار والتضييق القائمين على التجمعات الفلسطينية الأشبه بالسجون الكبرى، وقرارات سرية أخرى لم يعلن عنها...

واستطراداً الإفادة ما أمكن من انقلاب الأمريكان وسائر الغرب على تنائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية، التي كانت بطلب ومراقبة ومواصفات هذه الغرب والإشراف الأمريكي المباشر على كل ذلك، حيث وجدت حركة مقاومة مثل حماس، وقد فازت فيها، نفسها تقع في لحظة موضوعية أقل ما يقال فيها أنها مأزق هو الأقرب إلى كبوة استراتيجية، عندما قبلت بشروط اللعبة تحت سقف أوسلوي ترفضه لتجد نفسها من ثم تواجه حروباً على جبهات تبدأ بحرب الفاسدين والمفسدين داخلياً، فحروب الإسرائيليين والأمريكان وسائر الغرب ومن يتساوق معهم إقليمياُ، والأنكى أن وزير خارجية حكومة السلطة المنتخبة الدكتور الزهار إذ ما استقبل في بلد عربي داعم ألغى أخر زيارته لأسباب تتعلق بمكافحة "الإرهاب"، أو اعتذر صنوه في ثالث عن استقباله لضيق الوقت. وآخرون يضغطون على حكومته مطالبينها بقبول المبادرة العربية التي لم يقبلها العدو الذي من المفترض أنها قد وجهت أصلاً له، أو من يدعوه للاعتراف بالاتفاقيات التي عقدتها سلطة أوسلو السابقة، أي الاعتراف ضمناً بالعدو الذي لم ولن يعترف يوماً بوجود الفلسطينيين الذي يعتبره نقيضاً لوجوده...

الفلسطينيون الذي يذكّر ميرون بن فنستي في صحيفة "هآرتس" الإسرائيليين بأن علاقتهم بهم قد غدت مثل "العلاقة بين الانسان وظله: من الممكن تجاهل الظل، ولكن ليس من الممكن التخلص منه"، يقعون اليوم بين مطرقة لوثة القوة الإسرائيلية الغاشمة المغطى من قبل "شرعية" الغرب الدولية وسندان عضال فوبيا القلق المصيري المقتل... لكن وصفة الحصار السياسي والديبلوماسي والاقتصادي، الذي بلغ حد التجويع، بالإضافة إلى موالاة ارتكاب المحرقة المستمرة ضدهم، لا يبدو أنها ستأتي أكلها. كما أن الذهاب حد إسقاط حكومة حماس إذا فشلت عملية تدجينها وابتزازها وجرّها لقبول ما قبلته سابقتها، أمر لا يخلو من مجازفة، لأن الفوضى التي سوف تتبع لا محالة هي بمثابة سلاح ذي حدين، إن حقق نفعاً آنياً للاحتلال ففيه ما يمكن أن يصدق وصفه بربّ ضارة نافعة بالنسبة لفلسطينيين، لأن ذهاب السلطة لن يملئ فراغه إلا المقاومة... وهو إن كان، فلسوف يخلّص حماساً من متحارجة التوفيق شبه المستحيل بين السلطة والمقاومة. وعليه، هل هم فعلاً بصدد إسقاط سلطة عموماً كانوا قد أرادوها أصلاً ذات يوم في أوسلو؟!

الإسرائيليون الذين يصفون، وفق صحيفة "معاريف" موقفهم من حكومة حماس بكلام مثل أن "هاتين الديمقراطيتين تواصلان التنكيل الواحدة بالأخرى حتى الموت"، وتقول زميلتها "يدعوت احرونوت" أن "الجهاد تأخذ دور حماس"، يكثرون اليوم من الحديث عن مقولة تناساها العرب، مثل توصيف الصراع في فلسطين بأنه: صراع وجود لا حدود... وبين الإحساس الإسرائيلي المتضخم بالقوة والهاجس القاتل بالضعف جراء العوامل التي تم التعرض لها، تظل مسافة مرعبة من عدم الثقة بالمستقبل والقلق على المصير تلازمها بالضرورة عدوانية متأصلة دائمة ومنفلتة، تظل تعربد لإخفاء عقدة وهشاشة كيانها المفتعل، ويظل هذا الحال هو الحال ما يظل الوطن العربي قطريات أو مشاعاً لمن يتدخل في غياب مشروع قومي نهضوي جامع تتكاتف سائر قوى الأمة لإطلاقه... المشروع الضرورة الذي من شأنه أن يرتب الأولويات، على هدي ما يعرف بأبجديات الصراع، ويعيد من ثم الاعتبارات لما كانت يوماً الثوابت والمسلمات!