ماهر سمعان

مع إصدار قانون المطبوعات الاول الذي يسمح بصحافة خاصة بعد ما يقارب الثلاثين عاما على الاحتكار الحكومي, انتعشت الآمال بتنشيط مياه هذا المجال الراكدة منذ عقود, وبانفتاح المجتمع شيئا فشيئا على شكل جديد من أهم اشكال التعددية.... ليتداعى هذا الانتعاش عاما بعد عام ويختنق في يومنا الحاضر على بعض المجلات والجرائد الاقتصادية والكثير من الرياضية والاعلانية ومجلة سياسية واحدة..

يواجه اغلب الناشرين من القطاع الخاص في سوريا ازمات مالية كبيرة تكاد تودي بحياة منشوراتهم بين الحين والآخر, ليستيقظ أغلبهم من حلم العمل الصحفي في سوريا على واقع مرعب من المعوقات الهائلة والتي ليس من مقدور أحد غير الدولة تذليلها و الاستمرار في ظلها من خلال منشوراته الهزيلة والتباهي بمعدلات توزيع هي الاعلى في سوريا معتمدة بشكل اساسي على اشتراكات المؤسسات العامة واجهزة الدولة باكثر من 75% من هذا التوزيع العظيم مع التغاضي عن تأثير كونها المصدر المطبوع الوحيد في سوريا للأخبار المحلية.

ما ان يتجاوز الناشر عقبة الرخصة (اذا تمكن من ذلك اساسا) حتى يضع على راس اهتماماته ان يبقي منشوره بعيدا عن اي خط أحمر او حتى برتقالي ليسير على الاخضر فقط (بل وينتظر بعض الوقت ليتأكد من ان الاخضر حقيقي وليس مكيدة للايقاع به) ويبدأ بالعمل.... فتأتيه مصائب التوزيع من خلال المؤسسة العامة لتوزيع المطبوعات ذات الاحساس العالي بالمسؤولية تجاه ما توزع التي دمجت مؤخرا في مؤسسة الوحدة التي تصدر جريدتي تشرين والثورة فاصبح على أصحاب المنشورات توزيع منشوراتهم عن طريق مؤسسة صحفية يفترض بها ان تكون منافسة, بل وبشروطها هي ومزاجها ومزاج العاملين فيها حصرا دون الحق في الاعتراض او ابداء الملاحظات...

وماذا بعد!!! يلتفت الناشر الى الاعلانات فهي المورد المالي الأهم إذا لم نقل الوحيد, ولكن من يعلن في سوريا!!؟؟ ما من شركات كبرى ولا من قوة شرائية لدى الشعب السوري ولا من وعي اعلاني لدى الشركات القليلة العاملة في المجال الاقتصادي في سورية....ومع كل هذا فان بعض المنشورات يتمكن من جمع اعلانات بشكل ملفت وبحجم لا بأس به (كما في حالة الاقتصادية) فتأتي المؤسسة العربية للاعلان لتنتف هذا المورد الاساسي وتتحول الجريدة بقدرة المؤسسة (فهي القادر الوحيد في مثل هذه الحالة) مستدينة ومتعثرة ماليا.... فنجد في آخر المطاف الصحافة السورية -الخاصة- تتحول تابعة بشكل من الاشكال الى رغبات الحكومة, تتمتع باستقلالية هشة, افتراضية وسرابية. وفي المقابل نرى هذا الانتعاش الجزئي للصحافة الالكترونية في سوريا يأخذ الحيز الاكبر من الاهتمام ويعامله الغالبية على انه رمز لتحرر الصحافة في سوريا, في وقت تصل فيه نسبة مستخدمين الانترنت السوريين في أحسن التقديرات بين 5-10% من الشعب... وفي اكثر الاحصائات تفاؤلا فان ما لا يزيد عن ربع هذه النسبة هم من قد يفكروا في الاضطلاع على مثل هذه النشرات المحلية السياسية ومتابعتها لتصبح الصحافة والحرية الصحفية الالكترونية في سوريا افتراضية كما الشبكة التي تنشر عليها.

تأتي أهمية الصحافة وضرورة حريتها واستقلالها من كونها أحد أهم المؤثرات في تكوين الوعي الشعبي في اي بلد على السواء, وفي اتساع تأثيرها وقدرتها على الانتشار وتغيير الرأي العام والتركيز على مواقع الخلل في الحكومة والمجتمع.... فاي من تلك الخصائص تتوافر في الصحافة السورية –مطبوعة ام الكترونية- في الوقت الحاضر بالله عليكم!!!! ان ضعف المستوى الثقافي في الشارع السوري وانخفاض القوة الشرائية للمواطن إضافة الى ضعف حضور الانترنت في الحياة اليومية, يضاف اليها تعقيدات الجهات العامة التي تسيطر على كل شيء في عملية النشر يحول هذا الحلم بصحافة حقيقية, خاصة ومستقلة الى أمر افتراضي, ومجرد سراب لن تراه الا في صحراء صحافتنا السورية.....