لم يبد رئيس الحكومة فؤاد السنيورة في أي لحظة من زيارته لواشنطن ونيويورك ان لديه أوهاما حول نتائج فورية حيال أي قضية من القضايا التي أثارها مع الرئيس الاميركي جورج بوش ومع المسؤولين الاميركيين سواء على المستوى السياسي أي في ما يتصل بمسألة مزارع شبعا او على المستويين الاقتصادي والامني. وكل من هذه المستويات يحتاج الى متابعة وتواصل مع الادارة الاميركية، تماما مثلما يحتاج موضوع المزارع الى أجوبة من الامين العام للأمم المتحدة كوفي أنان ينتظر ان يلاحقها رئيس الحكومة في الاسابيع المقبلة لئلا تكون الكرة في ملعب لبنان على طريق السعي الى ان حصر الحق للدولة في السيطرة على كل أراضيها فتكون الكرة في مرمى الآخرين، على ما ظهر في مداخلة المندوب السوري في الامم المتحدة الذي قدم خدمة الى لبنان من خلال اعتراضه أمام أعلى هيئة دولية على التسليم بعلاقات ديبلوماسية بين لبنان وسوريا او على ترسيم مزارع شبعا بما يمكن لبنان من استعادة سيطرته على كل اراضيه. فبدت سوريا امام مجموع الدول في مجلس الامن كمن يعرقل ذلك واستفزت بعض هذه الدول، الى حد عودة البحث في قرار يحتمل ان يصدر عن مجلس الامن نتيجة مناقشة تقرير الموفد الدولي تيري رود لارسن بدلا من بيان رئاسي كانت له الارجحية. ولذلك رأى بعض الديبلوماسيين انه لم يكن على المندوب السوري التحدث في الجلسة التي خصصت للبنان.

وهذا لا يعني بالتأكيد ان المسعى الذي قام به السنيورة والوفد المرافق لدى واشنطن كذلك سيؤدي الى نتائج ملموسة على هذا الصعيد. ذلك ان مصادر ديبلوماسية في العاصمة الاميركية لا تعتقد ان سوريا قد تقبل في أي مرحلة قريبة بت الامور عمليا بالنسبة الى المزارع لاعتبارات سياسية في مقدمها ان ترسيم الحدود او تحديد مزارع شبعا سيؤدي الى افقادها ورقة اعتبرتها قوة لها على المستوى الاقليمي عبر التدخلات الاسرائيلية او الغربية لديها للجم "حزب الله" في الجنوب او الى ابقاء المزارع ربط نزاع لاحتمال فتح مفاوضات بينها وبين اسرائيل لاستعادة الجولان. لكن الخطوات التي يقوم بها لبنان من اجل استعادة حقه في المزارع مهمة على صعيد تسليط الضوء امام الرأي العام العربي والدولي على ملف لا يمتلك لبنان كل عناصره. وتقول هذه المصادر ان دمشق هي فعلا امام خيارات صعبة من بينها:

ان تستمر في رفض تحديد شبعا عمليا على ما فعلت خلال هذا الاسبوع عبر كلام وزير خارجيتها وليد المعلم او عبر موقفها في الامم المتحدة، والاكتفاء بذلك كلاميا مما قد لا يخفف من الضغوط الدولية عليها وحتى الجهود العربية لديها من أجل انهاء ملف معقد بات يرتبط بطبيعة العلاقات بين لبنان وسوريا وتبدو فيه دمشق معرقلة لاتفاق اللبنانيين في ما بينهم على طاولة الحوار ما داموا اتفقوا على الموضوع بالاجماع.

ان تحاول عرقلة احتمال حصول انسحاب اسرائيلي من المزارع، وذلك من خلال السعي الى اعطاء لبنان الجزء الاكبر من هذه المزارع من منطلق الاعتقاد بأن "تكبير" حجم المساحة التي تعود الى لبنان من يعوق عملية الضغط الدولي على اسرائيل من أجل الانسحاب، لانه لن يكون سهلا على اسرائيل التخلي عن مساحة كبيرة من دون مفاوضات. علما ان هذا الامر قد لا يمر بسهولة ولن تقوم به سوريا لأنه قد يثير استياء داخلها حيال الاقرار بلبنانية مساحة كبيرة من المزارع والتخلي عنها من اجل لبنان في حين يعتقد ان الهدف الأخير لسوريا حين تستعيد اراضيها المحتلة ان تبقي الوضع كما هو بالنسبة الى لبنان من دون ترسيم ولا تحديد.

الخيار الثالث هو المستند الى قول الرئيس السوري في احدى كلماته الاخيرة ان مساحة المزارع لا تتعدى مساحة المجمع الذي كان يلقي فيه خطابه. وهو تاليا لن يسلم للبنان به بذرائع مختلفة لان صغر المساحة قد يدفع بضغوط دولية تؤدي الى انسحاب اسرائيل فعلا، وان تكن الولايات المتحدة في غير هذا الوارد حاليا في ضوء التطورات الاخيرة فيها. ومن دون آلية تأكيد من الامم المتحدة تثبت لبنانية المزارع، لم يحاول السنيورة تجاوز هذه النقطة في واشنطن، وان أكد ضرورة الدعم السياسي من الادارة الاميركية في هذا الموضوع.

وابعد من موضوع المزارع، لا قلق حقيقيا من عودة حلفاء دمشق الى الواجهة السياسية في لبنان، اذ ان هذه الاطلالات قد يكون فيها الكثير مما قد يفاد منه لتعزز الاكثرية النيابية اوراقها وموقعها مجددا اذا أحسن استخدام هذه الورقة، اي ورقة احتمال عودة او طموح هؤلاء الى تسلم مواقع يجدر تذكير اللبنانيين بها مع عودة هؤلاء الى تغيير حكومي او انتخابات مبكرة بعد سنة من انسحاب سوريا من لبنان. لذلك قد يفيد تذكير الرأي العام اللبناني في رأي هؤلاء الديبلوماسيين بمآثر هؤلاء في الحكم وما تعنيه عودتهم الى مواقع في الحكم وعودة سوريا ايضا معهم الى التحكم في الوضع في لبنان. من دون ان ينفي ذلك بعض الاستياء من تصرفات قوى الرابع عشر من آذار التي أخطأت في عدد من الامور، مما أدى الى خسارتها بعض النقاط لمصلحة خصومها، مثل تحديد موعد لتنحية رئيس الجمهورية في الحكم بما أدى الى تقديم مكسب له مع بقائه بعد هذا التاريخ وكذلك ايلائها أهمية لبعض من لا يستحق من اشخاص محسوبين على سوريا بالكامل.

هذا لا يعني ان واشنطن تمتلك رؤية واضحة في ما خص تطور الامور في لبنان، وهي تعـــول على جهد اللبنانيين للقيام بالتحرك اللازم لعدم استنقاع الوضع السياسي او تجميده، وفي مقدم هذا التحرك الخطة الاصلاحية التي لا تخدم فريقا معينا بقدر ما تخدم اللبنانيين ككل وتؤدي الى مساعدة لبنان دوليا على هذا الصعيد بالذات.

فالادارة لا تزال مستمرة في الدعم والمساعدة أيا تكن الاسباب الاميركية الداخلية او الاقليمية، والكرة في ملعب اللبنانيين على هذا الصعيد رغم ادراكهم الصعوبات والعراقيل وأبرزها في رأيهم استمرار وجود لحود في الحكم. لكن تقاعس اللبنانيين قد يؤدي الى تقديم الذرائع لعدم تقديم المساعدة في الوقت المناسب او يهدر فرصة ربما لن تتكرر بسهولة او في وقت قريب.