هآرتس

عاموس هرئل

قسم كبير من القرارات الحاسمة التي اتخذت في اسرائيل ازاء مسألة ادارة الحرب ضد الفلسطينيين خلال السنوات الخمس الاخيرة، جاء من احشاء البطن. فقد صدرت أوامر بتصعيد المواجهة في اعقاب مداولات ليلية عقدت على عجل اثر وقوع عمليات قاتلة. ويعترف احد المشاركين في كثير من تلك المداولات بالقول ان "البطن عملت اكثر من الرأس". فتحت تأثير الصورة التي تثير القشعريرة والتي بثتها محطات التلفزة من ساحة الكارثة، وفي ضوء التقارير الضبابية التي رفعها ضباط الجيش الاسرائيلي ورجال الشاباك، مال الوزراء نحو خلاصة مفادها انه "ليس هناك من خيار، يتعين فعل شيء". ربما بسبب الظروف التي تغيرت، وربما بسبب اختلاف المزاج بين الاثنين، يبدو ان ايهود اولمرت، وريث شارون، يعتزم التصرف بشكل مغاير. ففي يوم الثلاثاء الماضي، صباح اليوم الذي تلى عملية تل ابيب، اجرى مشاورات امنية في مكتبه. وقد اكتفى اولمرت بخطوات محدودة. وفي هذه الاثناء تم تجميد افكار تتسم بالمبالغة مثل قصف منشآت اضافية تابعة لاجهزة الامن الفلسطيني. والقائمة التي جرت المصادقة عليها، كبديل، ضمت المزيد من الاهداف المعروفة، لكن مع اضافة واحدة: سحب مكانة المقيم من اعضاء البرلمان والوزراء التابعين لحماس، سكان شرقي القدس. يحتمل ان يكون الرد المحدود مرتبطا بتوقيت العملية وبالمسؤولين عنه. كانت هذه العملية الأولى "لأولمرت"، الأولى داخل الخط الاخضر منذ الانتخابات ومنذ تحوله من رئيس للحكومة بالوكالة الى رئيس اصيل. فالمفاوضات الائتلافية في اسرائيل في اوجها، ويبدو ان هذا الامر يملي مستوى الاصغاء واستعداد الحكومة للالتزام بعملية عسكرية واسعة. كما ان الصعوبات الداخلية التي تواجهها حكومة حماس الان تثير الشك ازاء حكمة اي خطوة اسرائيلية من شأنها اسقاط تلك الحكومة، وحقيقة ان شبكة الجهاد الاسلامي في شمال الضفة هي من نفّذ العملية يقلِّل من مقدار مسؤولية الحكومة الفلسطينية، على الرغم من كل ما ستقوله الدعاية الاسرائيلية. فسيطرة وتحكم السلطة في الضفة ضعيفة، والصلة بين الجهاد وحماس محدودة. ويبدو ان الذخيرة الاثقل، مثلث الدخول الى عمق القطاع، سيحتفظ بها لحالة سقوط صواريخ قسام تؤدي الى اصابات كثيرة، أو في حال حصول عملية انتحارية يكون مرسلوها من سكان القطاع. النقاش الذي جرى يوم الثلاثاء ذي شأن ايضا بالنسبة للسؤال الاكثر اهمية المطروح على جدول الاعمال: هل ان المواجهة العنيفة بين اسرائيل وبين السلطة الفلسطينية، تحت حكومة حماس، هو امر حتمي؟ بكلمات أخرى: هل نحن نقترب من "سور واق" آخر، في الضفة والقطاع؟ يبدو ان اولمرت، مثل كبار ضباط الجيش الاسرائيلي، معني في ان لا يتم اعطاء الرد هذه المرة فقط بسبب "صعود الدم الى الرأس". من وجهة نظر اسرائيلية، كان من الصعب هذا الاسبوع تفسير المنطق الذي يوجه حكومة حماس. لماذا كان على قادة هذه المنظمة رفع سرعة سيرهم الى مائة كيلومتر في الساعة، والتوجه مباشرة نحو الحائط، ألم يكن في الامكان الحصول منهم على اي ادانة صغيرة؟ لكن حماس اصرت. لم يصدر منها اي اعتذار بسبب عملية تل ابيب. وفيما التزم الصمت كل من رئيس الحكومة اسماعيل هنية ورئيس مكتب الحركة في دمشق خالد مشعل، خرج رجال الصف الثاني بتصريحات تؤيد العملية التي وصفت بأنها خطوة مشروعة للدفاع عن النفس في وجه الاحتلال. خلال مشاورات جرت عند اولمرت، اوصى رئيس الاركان دان حالوتس، بالاعلان عن السلطة كعدو. يبدو ان الحكومة تتقدم في هذا الاتجاه على الرغم من انه لم يتم المصادقة على هذا الاقتراح، فالجيش يتمسك بتوجه متشدد ازاء حماس، لكن مقارنة مع عدد من هيئات الاركان السابقة، لا يتعلق الامر هذه المرة بنزعة عنيفة حماسية، فالمجموعة المحيطة بحالوتس، اعقل من ان تعتقد ان عملية عسكرية ستحل كل المشاكل. ويدركون في هيئة الاركان ان ضبط النفس في اعقاب العملية جلب لاسرائيل نقاطا على الحلبة الدولية (لقد تأثر حالوتس من المقالة الافتتاحية حول هذا الموضوع في "نيويورك تايمز"). يقول احد الضباط الكبار ان الصعوبة الرئيسية تكمن في ان صعود حماس وانقطاع التنسيق الامني بين الطرفين اخرج عناصر الكبح الاخيرة من المعادلة. لم يعد ثمة من يتوسط بين الطرفين اثناء المواجهة، لا مصر ولا الاميركيين. "النتيجة هي انهم يتكلون عبر القسام ونحن نرد عليهم بواسطة مدافع الـ 155 ملم وليس هناك من ينزلنا عن الشجرة". وحتى داخل هيئة الاركان، ثمة ضباط يرون في اطلاق نيران الاسلحة الثقيلة باتجاه المناطق المفتوحة، خطوة لا معنى لها، غير مهنية، ولا تخدم الهدف. هذا الاسبوع، تحدثوا في وسائل الاعلام عن سيناريوات لاحتلال الضفة والقطاع، رداً على عملية قاسية مستقبلية. ويدعون في الجيش ان السيناريو الاول مدحوض: لا توجد ضرورة لاحتلال مدن الضفة لانه سبق حصول هذا الامر. فالجيش الاسرائيلي ينفذ ليلياً اعتقالات في جميع مدن الضفة ولا تحتاج إلى اكثر من سيارتي جيب او ثلاثة كي تدخل. وخلافا لايام "السور الواقي"، لم يبق في الضفة قواعد مهمة لاجهزة الامن بحيث يكون ثمة حاجة للتصدي لها. لكن الامر اكثر تعقيدا في القطاع. ومع ذلك، اكمل الجيش الاسرائيلي تدريباته التي جرت في هضبة الجولان، تحسبا لامكانية احتلال اجزاء من القطاع. والهدف هو وضع القوات في مستوى من الجهوزية يتيح شن عملية كبيرة في غضون اسبوع، عند الضرورة، وثمة احتمال آخر هو السيطرة البرية على "المجال الشمالي"، انقاض المستوطنات شمال القطاع. لكن يتعين فحص هكذا خطوة ايضا في سياق مغزاها القانوني والدولي. وفي نهاية المطاف، يتوقع ان تتدهور الامور لاحقاً نحو مواجهة اوسع مع حماس.