أصبحت سورية لاعباً رئيساً في منطقة الشرق الأوسط عقب دخول جيشها إلى لبنان في الأول من حزيران (يونيو) 1976. وترافق ذلك مع استقالة مصر من قضايا آسيا العربية، والتي بدأت ملامحها مع اتفاقية سيناء (أيلول/سبتمبر 1975)، ومع انكفاء العراق نتيجة جروحه التي تسبب بها التمرد الكردي الذي سكن موقتاً عبر اتفاق الجزائر (آذار 1975) بين صدام حسين وشاه ايران السابق.

أتى الدخول السوري على خلفية تحول لبنان (منذ 13نيسان/ابريل 1975) بنية مجتمعية متفجرة عبر حرب أهلية اثر انهيار ميثاق 1943، بعدما أدى الوجود الفلسطيني المسلح إلى اختلال التوازنات السياسية بين طرفي المعادلة اللبنانية، وإلى تحول الساحة اللبنانية «فرناً» أغرى أطرافاً اقليمية ودولية لاستعماله من أجل انضاج طبخات معينة للمنطقة، سواء عبر تحجيم المقاومة الفلسطينية (ولو أن ياسر عرفات وكمال جنبلاط حاولا عكس ذلك)، أو لإنشاء سيناريوات لتفجير البنى المجتمعية الأخرى انطلاقاً من المثال اللبناني، وهو ما كان سيقلب بنى الدول القائمة التي تحوي تركيبة مشابهة في منطقة الشرق الأوسط.

أنشأ الدخول السوري وضعية توازنية بين الأطراف المتصارعة في لبنان منعت انكسار طرف لمصلحة آخر. وجاء السكون القتالي بعد مؤتمر الرياض السداسي (تشرين الأول/أكتوبر 1976) الذي أعطى غطاءً عربياً للوجود السوري، إضافة الى الغطاء الأميركي - الفرنسي القائم منذ حزيران 1976 على هذه الأرضية. وفي الوقت نفسه، أمًن ذلك لدمشق قدرة على التحكم والإدارة لأهم بؤرة للأزمات والقضايا في المنطقة، ما حولها أهم لاعب اقليمي في النصف الثاني من السبعينات.

ما نجحت فيه سورية بعد حزيران 1976، حاوله مناحيم بيغن بعد زيارة الرئيس أنور السادات للقدس (تشرين الثاني 1977)، عبر استغلاله وجود قوى لبنانية فاعلة (القوات- الكتائب-الأحرار) كانت مستعدة للتحالف مع تل أبيب من أجل حساباتها الداخلية الخاصة ضد اللبنانيين الآخرين والفلسطينيين والسوريين، بعدما شعرت بأن وجود الأخيرين لم يعد لمصلحتها كما كان في صيف1976، فيما كانت اعتبارات بيغن تتمثل في الوصول إلى تحكم بالساحة اللبنانية مدخلاً إلى التحكم بالشرق الأوسط كله، بخاصة بعد خروج مصر من ساحة الصراع العربي -الاسرائيلي، وهذا ما يجعلنا نفسر لماذا لا يفصل سوى 35 يوماً بين حادثة الفياضية (اشتباكات بين الجيشين اللبناني والسوري في 8 شباط/فبراير 1978)، والاجتياح الاسرائيلي الأول لجنوب لبنان، والذي عنى انخراطاً اسرائيلياً كثيفاً في الساحة اللبنانية كانت ذروته اجتياح صيف 1982.

ونجح قائد «القوات اللبنانية» آنذاك بشير الجميِل، عبر تحالفه مع اسرائيل، في انشاء توازن لبناني جديد كان انعكاساً للتوازن الذي ولدًه اجتياح 1982ضد الفلسطينيين والسوريين، ما ساهم في انشاء الأرضية الملائمة لانتخابه رئيساً للجمهورية في 23 آب (أغسطس) 1982، وفي احداث أوضاع كادت أن تؤدي إلى اتفاقية عربية منفصلة ثانية مع اسرائيل تمثلت في اتفاق 17أيار (مايو) 1983، فيما لم تستطع دمشق أن تقوض ذلك إلا عبر توازنات لبنانية جديدة نتجت عن هزيمة «القوات اللبنانية» في حرب الجبل (أيلول 1983) وهزيمة الرئيس أمين الجميِل في 6شباط (فبراير) 1984 داخل بيروت، أمام قوات حركة «أمل» والحزب التقدمي الاشتراكي، ما أجبر الجميِل على اعلان التخلي عن اتفاق 17أيار أثناء زيارته لدمشق مطلع آذار (مارس)1984.

هذا الوضع جعل التداخل شديداً بين «الاقليمي» و«الداخلي» في الساحة اللبنانية، ومتبادل التأثير، أي استخدام الأول لمصلحة الثاني، أو العكس. لذا ترافقت عملية تصفية وجود «القوات اللبنانية» في شرق صيدا في شباط 1985، مع انسحاب القوات الاسرائيلية إلى مناطق «الشريط الحدودي»، فيما أدى تغير السياسة الاسرائيلية تجاه لبنان عام 1985وانكفائها عن مراهنات بيغن وشارون، إلى محاولات للبحث عن مخارج بعيداً من تل أبيب كما فعل إيلي حبيقة بين آذار 1958 وكانون الثاني (يناير) 1986، فيما لم تؤد السياسات المعاكسة التي انتهجها الدكتور سمير جعجع (بعد إطاحته بحبيقة في 15كانون الثاني 1986)، والجنرال ميشال عون (بعد أيلول/سبتمبر 1988) باعتماده على باريس وبغداد متجاهلاً «الحائط الأميركي» سوى إلى زيادة فاتورة الهزيمة،عبر اتفاق الطائف في خريف 1989 واطاحة الجنرال عون في 13تشرين الأول(أكتوبر) 1990 على غزو العراق للكويت ودخول سورية في التحالف الدولي ضد بغداد.

لم يكن لبنان بين يومي 13نيسان 1975 و13تشرين الأول 1990 في حال استثناء عن القاعدة التي حكمت مساره منذ عام 1943، فما جرى عام 1958 ضد الرئيس كميل شمعون كان انعكاساً، في التركيبة المجتمعية وفي النخب السياسية، للصراع الذي كان قائماً بين جمال عبد الناصر وأنصار «حلف بغداد»، فيما أدت «قمة الخيمة» الحدودية بين عبد الناصر والرئيس اللبناني فؤاد شهاب إلى جعل السفير المصري عبدالحميد غالب «مثل المفوض السامي الفرنسي» على حد تعبير العميد ريمون إده، ما انعكس بظلاله السياسية على لبنان الستينات، وتزامن مع ضعف الدولة السورية ومكانتها الاقليمية.

صحيح أن دولاً أخرى في المنطقة كانت تنعكس الصراعات الاقليمية على بناها الداخلية، مثل سورية الخمسينات وفترة الانفصال، إلا أن أحداً من دول المنطقة لم يصل إلى تلك الدرجة التي عليها لبنان من فقدان المناعة الذاتية أمام المؤثرات الخارجية، وإلى تلك الهشاشة البالغة للبنية المجتمعية لجهة التماسك والوحدة الداخلية، وهذا الأمر الأخير لم يبدأ عام 1975، بل كانت علاماته ومظاهره واضحة منذ 1943، إذا لم نقل منذ1920، ما جعل نوافذه بلا زجاج أمام شتى الرياح الخارجية. وهذا لم يشمل السياسة فقط، بل امتد إلى المظاهر الاجتماعية، وإلى الثقافة. ويكفي هنا قياس سرعة تقوض مكانة اللغة الفرنسية أخيرا،ً ليس في الحمرا ورأس بيروت بل في الأشرفية وجونية بالذات،الأمر الذي لا نجد مثيلاً له في أي بلد فرانكوفوني آخر، لجهة تلك الوتيرة المتسارعة في مكان زرعت فيه الفرنسية عبر جهود مكثفة استغرقت قرنين من الزمن.

هذا الانقسام المجتمعي لم يستطع لبنان تجاوزه مع اتفاق الطائف، بل أتى «السلم الأهلي» الذي أعقبه نتيجة عوامل دولية واقليمية مقرِرة له، ولم يكن ناتجاً عن ديناميات مجتمعية ذاتية تنزع إلى التوحد والاندماج. أي، بعبارة أخرى، أتى «الطائف» حصيلة فشل سياسة تل أبيب التي بدأت في عام 1978،ما انعكس على التوازنات اللبنانية الداخلية وأنشأ أوضاعاً لم تستطع فيها باريس ولا بغداد ان تعوض عن الدور الذي قامت به تل أبيب مطلع الثمانينات، وهوماأدى إلى مسارات سياسية اجبارية كانت حصيلتها «الطائف» وضرورة انهاء الاقتتال اللبناني، بخاصة في ظل انتصار واشنطن في الحرب الباردة عام 1989، ما جعلها تتجه إلى تسوية الأزمات المتفجرة في المناطق الساخنة من العالم، والشرق الأوسط أبرزها، وقد كان لبنان أكثرها اشتعالاً وتأثيراً.

من هنا أتى ذلك الغطاء الدولي والاقليمي للوجود السوري في لبنان، عبر اتفاق الطائف وما بعده، اذ أن القوى الدولية والاقليمية المعنية كانت ترى أن لبنان لم يتجاوز عوامل التفجر الداخلي وأنه لم يمتلك، بعد، الديناميات الذاتية للتوحد والاستقرار المجتمعي، بخاصة مع استمرار «الاحباط» الذي عاشــــته بعض الفئات اللبنانية بعد «الطائف»، وعبرت من خلاله عن اتجاه إلى تغيير الأوضاع الجديدة التي نشأت، معتبرةً إياها ناتجة عن فعل «القوى الغريبة» أكثر مما هو عن توازنات لبنانية داخلية.

أعطت تظاهرات الطلاب في نيسان عام 2000 ضد الوجود السوري في لبنان، ثم ما حصل من مظاهر اعتراضية حتى وصول الأمور إلى ذروتها مع بيان المطارنة الموارنة في 20 أيلول 2000، صورة واضحة عن مظاهر اللاتوحد المجتمعي في لبنان تجاه الوجود السوري، وليس العكس، لجهة اقتصارها على أناس من فئات ومناطق محددة، فيما عبر عدم اشتراك الفئات والمناطق الأخرى ليس عن خوف أو حذر،وإنما عن حسابات بأن انهاء الوجود السوري في لبنان سيؤدي، من جديد، إلى اختلال المعادلة اللبنانية التي نشأت بعد عام 1989 وانهيارها.

تغيرت الصورة الأخيرة بعد صدور القرار 1559 في 2 أيلول2004، وما عناه من ترجمة للتناقضات الأميركية - السورية حول العراق المحتل في الساحة اللبنانية، وقد ظهر الكثير من المؤشرات على عملية التبدل في مواقف قوى اجتماعية واسعة شملت القوى التمثيلية القوية للدروز والسنة عند الزعيمين وليد جنبلاط ورفيق الحريري، حيال الوجود السوري في لبنان في الربع الأخير من عام 2004. إلاأن ما قلب الكفة ضد الوجود السوري هناك، كان تلاقي أكثرية الكتلة الاجتماعية اللبنانية، بعد اغتيال الحريري في 14 شباط (فبراير) 2005، مع الرياح الغربية (الآتية من واشنطن والمتلاقية بعد فراق مع باريس) المتجهة، لأسباب غير لبنانية، إلى انهاء ما نشأ في بيروت منذ صيف 1976 مع دخول الجيش السوري إلى بلاد الأرز.

فهل يدخل لبنان في السلام الداخلي بعد سيطرة «الدولي» عليه ضد إرادة «الاقليمي»، أم أن صراعهما (الذي يمتد من طهران إلى دمشق وغزة)، سيؤدي إلى تفجره من جديد؟