لم يكن هناك احتفال في بيروت، او انكسار في دمشق. كانت هناك زيارة الى ضريح الرئيس رفيق الحريري، وخبر في صحيفة <تشرين> يتوقع زلزالا مدمرا يضرب لبنان هذا العام لمناسبة مرور خمسين عاما على زلزال العام .1956 جرى التعبير عن العواطف المتبادلة بأسلوب رمزي لا يمكن ان يخطئه احد في البلدين.

لقاء رئيس لجنة التحقيق الدولية سيرج برامرتز مع الرئيس السوري بشار الاسد ونائبه فاروق الشرع، اضاف الى الذكرى السنوية الاولى لخروج القوات السورية من لبنان، مغزاها الوحيد والعميق: ثمة جريمة قتل مروعة عالقة بين البلدين، تتحكم بالعلاقات الثنائية وتحكمها.. مهما قيل عن استقلالية التحقيق ومهنيته، وعن المحكمة التي لن تكون ذات طابع دولي إلا لأنها ستحاكم مسؤولين سوريين.

وقبل أن يصدر الحكم النهائي ذو الطابع الدولي في الجريمة، فإن العلاقات الثنائية لن تنتظم في سياق واضح، ولن تعود الى أي من عهودها السابقة، من الاستقلال الى إقفال الحدود الاول، الى الدخول العسكري السوري الاول الى بيروت في العام ,1976 ثم الثاني في العام ,1985 وصولا الى المرحلة الانتقالية الراهنة، التي تمثل حصيلة اكثر من ستين عاما من التوتر بين العاصمتين، ومن الافتراق بين النظامين، ومن التباعد بين الشعبين.

لم يكن الخروج العسكري السوري مقدمة للمصالحة التاريخية. كان مجرد لحظة عابرة فرضها المجتمع الدولي، استجابة لنداءات وهتافات لبنانية دوت في شوارع بيروت، وتردد صداها في دمشق باعتبارها ذروة التآمر على سوريا... ما رفع حاجزا جديدا على الحدود بين البلدين، لا يمكن ازالته الا بعودة القوات السورية مرة ثالثة الى العاصمة اللبنانية، او بتغيير وجهة العاصمة السورية في النظر الى لبنان!

ثمة إجماع لبناني على ان مرحلة الوجود العسكري السوري في لبنان انتهت الى غير رجعة، لكن حقبة النفوذ السياسي السوري ما زالت في بدايتها، وان اختلفت أشكال التعبير عنها، وأنواع الاستثمار لها. مثل هذا الإجماع ليس متوافرا في سوريا حتى الآن، وهو لن يصبح متوافرا إلا اذا ثبت ان التنبؤ بالزلزال المدمر كان صحيحا.

والأسوأ من ذلك ان حصاد العام الاول على الخروج العسكري السوري من لبنان كان بائسا في البلدين معا: قيل انها فرصة جديدة أُعطيت للرئيس الاسد كي يمضي قدما في طريق الاصلاح الداخلي. حصل العكس تماما. وقيل انها فرصة تاريخية للبنانيين كي يتدبروا امورهم بأنفسهم من دون تدخل خارجي للمرة الاولى في تاريخهم. تحول لبنان الى سيرك مفتوح. لن يكرر التاريخ نفسه، لكن فرص العودة الى الوراء متاحة اكثر من فرص المضي قدما الى الامام. الحاجة الى دفع خارجي، عربي او دولي، باتت ملحة اليوم مثلما كانت ضرورية في منتصف الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات... بعد ان يخرج برامرتز عن صمته.