ما تزال صورة أبو مصعب الزرقاوي تتمايل أمام عتبة السياسة العربية، لأنها مثال لا نستطيع الهروب منه، فالقضية لا تبدو أنها مجرد استعرض عبر شريط مصور، وأبعادها الكاملة ربما تكمن في العمق الذي دفع الزرقاوي أن يستعيض بالشريط المصور بدلا عن السيارات المفخخة ... وتبدو المسألة أعقد من التحليل السطحي الذي قدمه حول رؤيته من الوضع السياسي، لأنه على ما يبدو يفترض امتلاكه "اليقين" و "الحق" كي يستخدم العنف في اتجاهات مختلفة.

والسؤال ما الذي يشكله "الحق" في المصطلح السياسي! خصوصا بعد أن أصبح استخدامه أكثر من ترف سياسي أو مبرر للمقاومة .. ربما علينا من جديد الاقتناع باننا نعيش في عالم من صراع المصالح، وليس على صورة من الخيال يظهر فيها "الحق" وكأنه الكل الذي يبهر الأبصار. وربما لا يكفينا اليوم التعامل فقط مع الصورة التي رسمها "الحق" في أدبيات السياسة التي حكمت الشرق الأوسط منذ بداية الاستقلال.

استخدام كلمة "الحق" تشكل عمليا هروبا بالمعنى السياسي، فلو أن مسألة الحق واضحة كما يتخيل البعض لانتهت الحروب، ولخضعنا لحالة أشبه بما يطرحه الرئيس الأمريكي حول "الشر والخير". وبالطبع فإن بوش لا يراهن على الحق بل على طبيعة المصلحة الأمريكية. بينما لا يراهن الزرقاوي سوى على امتلاكه لهذا الحق الافتراضي.

المذهل اليوم أن نرى سياسيين مخضرمين (والزرقاوي ليس منهم) يراهنون على امتلاكهم "الحق" في وجه الولايات المتحدة .. والمذهل أيضا أن تبقى مسألة الحق عالقة داخل المصطلح السياسي مؤكدة أن الدين لم ينفصل عن السياسة رغم كافة المحاولات في هذا الإطار.

في الظروف التي يعيشها الشرق الأوسط إجمالا ربما علينا الحد عميقا في قناعاتنا السياسة، وقراءة الخطوات التي بقيت ممزوجة بالتراث لتصل بنا إلى مناطق الصراع المكشوف. فالحق مصطلح لا يمكن استخدامه بشكل مطلق، والحقوق المشروعة ظهرت ضمن توافقات وليس لأن طرفا امتلك الحق بشكل مطلقا.

مع الاعتذار للحق فإن محور الشر ومحور الخير دخلا في المصطلح السياسي من زاوية التعبئة وليس من منظور الآلية السياسية. فمحور الخير لم يتسلح بالقيم المطلقة، ومحور الشر وفق النظر الأمريكية هو "شرير" لرغبته في كسر حواجز القوة وليس لأن قيمه خارج الحق.