منذ القديم عُرِفَ «الخروف» بالحيوان «العاشِب» المغلوب على أمره, والساعي الدائم الى طلب الأمن والأمان والهدوء والسكينة, وذلك على عكس انسبائه وأخوته في الظلف المزدوج من بني «ماعز», الذين اشتهروا بالشرود عن القطيع والقيام بمغامرات في تسلّق الجبال والوصول الى أصعب وأخطر الأماكن الوعرة والعالية الارتفاع. ولقد بَرَزَ من عائلة «الخرفان» الكريمة: الحَمَل والقرقور والنعجة والكبش, وغيرها, حيث احتلّت فصائلها وأنواعها صفحات عدة من «دائرة المعالف اللغوية»! وكذلك معجم «بكاء الغمام على مصارع الأغنام»! للعلامة «ابن خروف الاندلسي»!! بالمقابل «تَنَطَّحَ» من عائلة الماعز كل من الشاة والسخل والتيس والساعور والكراَّز...

وَوُصِفَ الشخص الهادئ المسالم بالحمل الوديع, والشخص المشاكس بغير حق بالتيس العنيد! وعلى مرّ العصور, أضفى الانسان وأسبَغَ على «الخروف» جملة من الصفات الحميدة المتصلة بالبراءة والبساطة والصفاء. كما احتلَّ «الحَمَل» مطرحاً مرموقاً يدعو الى التقدير والتبجيل والاحترام, خاصة عندما حَدَثَت «رؤيا» منام سيدنا ابراهيم, التي قالت له بأن يذبح ابنه اسماعيل. وقتذاك كان «الكبش» فادياً وشهيداً وبديلاً عن المفترض ان يُضحَّى به!!

ونادى السيد المسيح اتباعه بعبارة «يا خرافي» كدلالة, على براءتهم وصفاء قلوبهم وصدق ايمانهم, ومن مناسك الحج الاسلامي, ان يُضحِّي كل حاج الى بيت الله الحرام «بخروف», وهذا «الشَرَف» الذي خُصَّ به «بني خروف» شَكَّلَ نظرة محترمة ومرتبة عالية رَفَعَتهُم «معنوياً» على سائر المواشي والدواب. وعادة, يُقال «خروف العيد», ولا يُقال «جدي او ساعور او تيس العيد»!! وتبوَّأ «الحمل» بُرجاً من ابراج الحظ المعروفة الى جانب برجي الثور والجدي, وبصفات ومزايا جيدة. واشتهرت قصة «الذئب والحمل» وبكل اللغات, ونُسِجَ حولها العديد من نظريات التوعية والارشاد والعِبَر, والاحكام والامثال. وكان الذئب, هو الممثل «الشرعي» للشر, والحمل هو الحامل­ ويكاد يكون الوحيد­ لراية وبيرق وعلم ولواء «الخير»!!

وَبَلَغَتْ بساطة وسذاجة وبلاهة «الخروف» حداً لم يسبقه اليه احد, اذا وَصَلَ الى «مقام» الهَبَل الحيواني الممتنع!! والخروف بطبعه وطبيعته, وبدون منافس, هو مثال على «الفردية المطلقة» وعلى «الانانية المفرطة» التي تمسح وتمحو كل حس جماعي وكل شعور وَحْدَوي.

فعندما يقوم «الجزَّار» بعملية ذبح احدى «النعاج» او احد «الحملان» وأمام انظار بقية الخرفان, يبقى القطيع المطيع غير مكترث بما يحدث على الاطلاق, لا, بل, على العكس, فإنه يضاعف وبحماسة من نشاطه وحركته في الرعي والاكل!! تماماً ­ سبحان الله­ كما جرى ويجري اليوم مع العَرَب وبين العرب انفسهم على أرض العَرَب!! وَتَبيَّن ان «القرون» التي تمتلكها الخواريف وخاصة «الكباش» منها وتزيِّن بخيلاء هاماتها الصبوحة, ووجوهها السمحة الشموسة, هي ­ فقط­ للمباهاة والعنطزة والفنطزة, وليست أبداً للدفاع عن النفس ودرء الاخطار!!

وبما ان الشيء بالشيء يذكر, فقد دَخَل شخص على جماعة من الناس يتحلَّقون حَوْلَ «منسف» كبير من الارز المطبوخ وعليه «خروف» مشوي تنضح أخاديده بالسمن والتوابل. وبسرعة مدهشة شمَّر عن ساعديه, واندسَّ بين «الآكلين», برغم انه لا يعرف أحداً منهم! ثم بدأ بالالتهام وهو يهمهم ويغمغم ويطلق آهات دفينة, علامة على جوع مزمنٍ وقديم!! تَبَادَلَ الجمع فيما بينهم كل اشكال النظرات وكل انواع الاستغراب, عمَّن يكون هذا الوافد المتطفل الشّره!! وحين تأكدوا من ان احدا منهم لا يعرفه, توقفوا عن الاكل وسألوه: عفواً... يا... أخ, هل تعرف احداً منَّا؟ أجاب دون ان يقطع «وَصْلَ» الأكل: «كلا... وإنما, أعرف هذا»... وأشار بملء كفِّه الى «الخروف»!!!

أيها الخروف العربي­ بغض النظر عمّا اذا كنت من ذوي «الأليَة أو الذَنَب», آن لك ان «تباطح» و«تناطح» فقد كَثُرَت معارفك وكَثُر آكلوك! واعتقد­ ايها القارئ العزيز­ بأن كلمة «خروف» التي تجمع على خرفان وخواريف وخراف, لها علاقة وجدانية وثيقة بالخرافة والخريف والخَرَفْ!!! سامحونا!