لا تزال "هيلاري كلينتون" أقوى المرشحين، والمرشحين المحتملين، للحزب الديمقراطي الأميركي إلى انتخابات 2008 الرئاسية. بيد أن السيدة كلينتون، مهتديةً بنهج زوجها الرئيس السابق بيل كلينتون، صاحب النظرية القائلة إن المعارك تُخاض من الوسط، تدخل الآن تجربة جديدة: فهي شرعت تخسر أصوات الليبراليين الراديكاليين في حزبها، وفي عدادهم مثقّفون ونجوم سينما هوليووديّون، بسبب وسطيّتها المستجدّة. أما النظريّة الرائجة يساراً حيال الوسط هذا فمفادها أن الرئيس جورج بوش، بانعطافه إلى أقصى اليمين، ألغى إمكانية الوسط عملياً. لهذا، كما يضيف هؤلاء، لابد للمرشح الديمقراطي من أن ينحاز يساراً كيما يكسب المعركة المقبلة. وهو، بطبيعة الحال، ما لا تفعله السيّدة كلينتون.

وفي السياق هذا يؤخذ على هيلاري تأييدها الحرب في العراق واعتمادها موقفاً جذرياً في رفض أي انسحاب تمارسه القوات الأميركية من بلاد الرافدين. فهي، من ثم، "لا تستمع إلى آراء منتخبيها في ما خص الموقف من الحرب"، على ما قالت ناطقة بلسان "الشيفرة الزهريّة"، إحدى المجموعات النسائيّة المناهضة للحرب والناشطة في مطاردة هيلاري وافتعال الشغب لدى إلقائها خطبها.

لكن السيدة كلينتون لا تكتفي، تبعاً لنقّادها، باتخاذ موقف سيِّئ من الحرب، معاكسةً وجهة النظر التي غدت سائدة في حزبها بما في ذلك معتدلوه. فهي أيضاً تتنازل لليمين في المسائل الاجتماعية والإيديولوجية. ومن هذا القبيل، أنها أبدت تحفظات على حق المرأة في الإجهاض، وحين أدانت القانون المناوئ للهجرة لم تجد ما تقوله سوى أنه "يتعارض مع تعاليم المسيح"!

ويرى بعض المراقبين أن الانتقادات تلك لا تضير هيلاري كلينتون في النهاية. فهي لا تمانع في أن تخسر أصوات أفراد النخبة الليبراليّة من أجل أن تكسب جماهير عريضة في يمين الوسط. وهنا يبرز الاسم الذي يُستحسن حفظه وتذكّره: روس فاينغولد، عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي عن ولاية ويسكونسن.

ففاينغولد، على ما يُقال، هو من سيلتفُّ حوله التيّار الليبرالي الراديكالي في الحزب الديمقراطي. وقد يجد الرجل نفسه في مواجهة هيلاري كلينتون، أو أي وجه غيرها يقع عليه خيار الديمقراطيين الآخرين. فإذا ما وُفِّق في معركته هذه، وجد نفسه يقارع المرشح الذي سيرسو عليه الحزب الجمهوري. ومن يدري! فقد ينتهي المطاف بروس فاينغولد إلى البيت الأبيض.

لكن من هو السياسي المذكور الذي يغدو النجم الصاعد في سماء السياسة الأميركية؟

يقول فاينغولد عن نفسه إن "أبطاله" هم مارتن لوثر كينغ وجون كينيدي وروبرت كينيدي. والثلاثة، فضلاً عن أنهم قضوا اغتيالاً، كانوا يقفون على يسار الخريطة السياسية الأميركية. أما أكثر مواقفه الماضية التي يشدد عليها فمعارضته الحرب الفيتنامية إبان شبابه، وهي المعارضة التي يعلن أنه لا يزال يصرّ عليها ويفتخر بها.

لقد انتُخب فاينغولد، اليهودي الديانة وابن ويسكونسن المعروفة بتقاليدها الليبرالية، عام 1992 عضواً، للمرة الأولى، في مجلس الشيوخ. وكانت الثوابت في سياسته مناهضة حكم الإعدام وبقايا التمييز العرقي والعمل لإصلاح حملات التمويل للمعارك الانتخابية والدفاع عن الحد الأدنى للأجور والضمان الصحي. وكان إصلاح حملات التمويل أكثر ما ارتبط باسمه داعياً إلى تمويل عام يشارك فيه الفرد الواحد بدولار واحد فقط، بدل تمويل الأغنياء والشركات الكبرى للمرشحين والأحزاب. وفي هذا الصدد قدّم إلى المجلس لائحة اشتُهرت باسمه واسم شريكه في الحزب الجمهوري السيناتور جون ماكين (الذي قد يكون مرشح الجمهوريين المقبل للرئاسة، بعدما نافس بوش في المرّة السابقة).

أما خصومته المباشرة داخل حزبه فمع "مجلس القيادة الديمقراطي" الذي يهيمن عليه بيل كلينتون ويراه نقّاده أداة نقل الحزب من موقع وسط اليسار إلى موقع وسطي يغازل اليمين. وكانت إحدى نقاط الاحتكاك الأبرز مع "مجلس القيادة" ذات طبيعة اقتصادية: ذاك أن فاينغولد يمثل التوجه العمالي الانعزالي المعادي للعولمة والذي يرفض "منظمة التجارة الدولية" (الغات) واتفاقية "نافتا" وكل ما أقدم عليه بيل كلينتون وآل غور إبان عهديهما مما يعتبره "بيعاً للعمال الأميركان". وهو، على ما يبدو، يراهن على توسيع المسافة بين القيادات النقابية في الحزب الديمقراطي وبين مرشّح (أو مرشّحة) "مجلس القيادة"، آملاً في انتزاع التأييد النقابي لترشيحه هو، لاسيما وأن رأيه الانعزالي ذاك شرع يسيطر على قطاعات متعاظمة في بيئة الديمقراطيين.

وفي ما خص الحرب على الإرهاب ثم العراق، كان فاينغولد العضو الوحيد في مجلس الشيوخ الذي عارض، عام 2001، "المرسوم الوطني الأميركي" (The U.S.A Patriot Act) بسبب تجاوزه على الحقوق المدنية للأميركيين. يومها صُوِّر بوصفه هرطوقياً أو ما يشبه ذلك، كما ظهر في الصحافة من يقطع بنهاية حياته السياسيّة على يد الإجماع القومي وراء جورج بوش بُعيد جريمة 11 سبتمبر. وقد استمر على موقفه الجذري معارضاً حرب العراق، داعياً إلى سحب القوات الأميركية في أسرع ما يمكن.

وتربط فاينغولد، مذ كان عضواً في لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس، صلة خاصة بأفريقيا التي زار عديد بلدانها، لاسيما تانزانيا وكينيا وموزامبيق، ملاحظاً أن الطريقة التي خيضت وتخاض بها المعركة ضد الإرهاب لا تتكفّل بدفع المسلمين وحدهم إلى كراهية أميركا، بل تدفع الأفارقة أيضاً في الاتجاه هذا. وفي عرفه أن عدم الاكتراث بأفريقيا ليس فقط علامة كيل بمكيالين في السياسة الخارجية، بل هو أيضاً محاباة للظلم والإجحاف التاريخيين وتعزيز للإرهاب والتطرف.

وللقطب الديمقراطي آراؤه في النزاع الفلسطيني– الإسرائيلي. ولا بأس، هنا، بترجمة هذه الفقرة الطويلة نسبياً من حوار أجرته معه "المجلة التقدمية" (ذي بروغريسيف ماغازين) في مايو 2002.

"س: ماذا عن الوضع الراهن في إسرائيل وفلسطين والذي يبدو بالغ التييئس؟ ما موقفك؟

ج: حسناً، لقد اعتقدت طويلاً أن على إسرائيل أن تتخلى عما يسمى الأراضي المحتلة في سبيل الأمن، وأنه يجب أن تنشأ دولة فلسطينية. لقد شعرت هكذا طوال حياتي. لكن أظن أن من غير المنطقي مطالبة الإسرائيليين بأن يفعلوا هذا في سياق لا توجد فيه، على الإطلاق، أية ضمانة بالسيطرة على منفّذي العمليات الانتحارية. ومع أن أرييل شارون ليس أبداً خياري كرئيس للحكومة، فإنني أوافق الناطق بلسانه حين قال إن إسرائيل، إذا ما أخذنا في الاعتبار أحداث الأسابيع القليلة الماضية، تقع على خط المواجهة المباشرة مع الإرهاب. لكن هذا لا يعني أن الشعب الفلسطيني لا يستحق حق تقرير المصير والدولة. إنهم يستحقون".

والحال أن روس فاينغولد، المولود في 1953، ينتمي إلى أسرة غير ثرية استقرت عام 1917 في ويسكونسن، الأب فيها قاضٍ صغير والأم موظفة في شركة مستندات عقارية. وقد درس "روس" الصغير في ولايته حيث تخرج، عام 1975، حاملاً شهادة في الفنون، قبل أن ينتقل إلى كلية القانون في جامعة هارفارد حيث نال، في 1979، شهادته في المحاماة. ولأنه طلّق مرتين فقد لا ينسجم "بروفايله" مع المواصفات التي تضعها البيئة المحافظة للرئيس، إلا أنه بالغ الشعبية بين الشبيبة القاعديّة في حزبه، خصوصاً أنه توّج رصيده الليبرالي ومعارضته لحرب العراق بموقفين اتخذهما في الأشهر الأخيرة: ففي 13 مارس الماضي طالب مجلس الشيوخ بفرض رقابة على الرئيس بوش اقتصاصاً منه بعدما تحدثت "نيويورك تايمز" عن عمليات تجسس وتنصت غير شرعية بالتعريف. وفي 4 أبريل دافع، أمام ناخبيه، عن الزواج بين أفراد الجنس الواحد، مؤكداً على أهمية تشريع ذلك. وفي مطلق الأحوال فإن فاينغولد حتى لو لم يسعفه الحظ في الحصول على الترشيح الديمقراطي، وحتى لو عاد ليبراليوه الراديكاليون إلى الانضواء وراء هيلاري أو أي مرشح (مرشحة) آخر، يبقى جديداً لافتاً للنظر في الحياة السياسية الأميركية. وهو، في أسوأ حالاته، سيغدو قائد المعارضة اليسارية داخل الحزب الديمقراطي، ما يكفي بذاته ليكون سبباً لحفظ اسمه الذي لا يزال، خارج الولايات المتحدة، مغموراً نسبياً.