ضيا اسكندر (قاسيون)

عندما وصلتْ إليه، هبّ واقفاً وقفزت من عينيه نظراته الملهوفة المتسائلة، حتى أنه لم يتمكن من الردّ على تحيتها. وبادرها مستوضحاً:

- طمّنيني حبيبتي! حنطة أم شعير؟

جلست بتغانج على الكرسي المقابلة له والبسمة تشرق من وجهها الصبوح ونثرت كلماتها بارتياح:

- حنطة وبس؟ قلْ عسل، منّ، سلوى...

برقت عيناه بوهج الانتصار، فأجابها متلعثماً بفرح وكأنه في حلم فردوسي:

- يعني بإمكاني القول: مبروك!؟

أمسكت خصلة من شعرها ونزعت عنها الملقط لتترك نسمات البحر تعبث بها. وأسندت جذعها على الكرسي متمهلة الإجابة وهو يتحرق شوقاً لسماعها. سددت باتجاهه نظرة ملأى بالحب والثقة:

- نعم يا حبيبي! وأخيراً...

لم يدعها تكمل عبارتها التي وصلته بفصاحة، ونهض عن كرسيه مهلّلاً كطالبٍ يتوقع الرسوب المؤكد في الامتحان وجاء من يبشره بالنجاح. وأحاط كتفيها بذراعيه وهمّ بتقبيلها على مرأى من جميع رواد المطعم. إلا أن انطلاق التأنيب من عينيها لجمه، فاكتفى بالتعبير عن سعادته قائلاً:

- عظيم، عظيم! هذا يعني أنه بإمكاننا تحديد موعد الخطوبة... لماذا الخطوبة؟ بل لنقل الزواج فوراً، علينا حرق المراحل يا حبيبتي..

- بالتأكيد حبيبي! لسنا بحاجة إلى مرحلة الخطوبة ومشاكلها..

-(فرك راحتيه جزلاً) يا سلااااام! أكاد لا أصدّق! متى تقترحين موعد الزفاف؟

- طالما أن أمورنا كلها جاهزة.. ما رأيك بهذا الشهر؟

همد انفعاله فجأة وامتقع وجهه كعاشقٍ ضُبط متلبّساً بتقبيل حبيبته من قبل شقيقها الأصولي المتعصب. ونظر إليها بعينين تزفران عتباً:

- أيعقل حبيبتي؟!!! هل نسيتِ أننا في حزيران؟! أتريدين مني أن أحتفل مستقبلاً بذكرى زواجنا في شهر هزيمة العرب الكبرى أمام إسرائيل عام 1967؟ أم علينا الاحتفال بذكرى أكبر عملية اغتيال سياسي لأشهر رمز من رموز النضال الوطني في سوريا، ذكرى استشهاد فرج الله الحلو في 25 حزيران عام 1959؟

- آسفة حبيبي! الحقيقة لم أقصد، أعني لم يكن يخطر في بالي هذه الذكرى المشؤومة... ما رأيك بالشهر الذي يليه، تموز! رفع راحتيه إلى رأسه وبدأ بعصره وكأن صداعاً حادّاً داهمه على حين غفلة:

- هل تمزحين؟! هل حصل لعقلك شيء؟! معقول؟! أتريدين مني كل عام ونحن نحضّر لاحتفالنا بعيد زواجنا أن أتذكّر سطوع نجم صدام حسين في 17 تموز عام 1968 حين تولّى أمانة السر في مجلس قيادة الثورة؟

- آسفة جداً! اعذرني حبيبي، لقد أذهلني قبول والديّ بزواجي منك، ولهذا السبب تراني غير مركّزة.. ما رأيك بشهر آب؟ رغم أن الحرارة فيه تكون قاتلة، ولكن لا بأس يمكننا التحمّل؟

- آب؟!!! يبدو أنك مصرّة على إثارة أعصابي! والله حرام عليك! ماذا فعلت لك حتى تختارين هذا الشهر؟ هل نسيتِ أنه في 14 آب عام 1949 حدث انقلاب سامي الحناوي على حسني الزعيم مما أدخل سورية إلى عصر الانقلابات العسكرية..

- طيب ما رأيك بشهر أيلول؟ فهو بداية الخريف ويكون المناخ فيه معتدلاً والسماء صافية لا مثيل لها في بقية الفصول؟

- يبدو أنني سأزعل منك بجدّ يا حبيبتي! هل نسيتِ مجازر صبرا وشاتيلا عام 1982 أم مجازر أيلول الأسود في الأردنّ عام 1970؟ أم فشل الوحدة السورية المصرية في 28 أيلول عام 1961؟

- آسفة حبيبي! لقد نسيت، ما رأيك بشهر تشرين أول ففيه حصلت حرب تشرين التحريرية؟

- لا... لا أطيق هذا الشهر، لا تنسي خيانة السادات في هذه الحرب! ثم أننا لم نحرز نصراً مؤزراً فيها! أم نسيتِ أن الجولان ما زال تحت نير الاحتلال الإسرائيلي حتى الآن؟

- طيب ما رأيك بشهر كانون أول؟ فهو بداية الشتاء، فصل الخير والعطاء الرباني؟

- نعم نعم!؟ ما أحلاكِ والله! أتريدين مني الاحتفال بذكرى انقلاب أديب الشيشكلي على سامي الحناوي عام 1949؟

- طيب كانون الثاني؟

- يا إلهي، مستحيل أنتِ حبيبتي! هل تتحدثين بكل جدية؟ أنسيتِ أنه في هذا الشهر من عام 1991 هجمت (37) دولة على العراق بقيادة حلف الأطلسي بحجة تحرير الكويت؟!

- طيب شباط؟ فهو بداية تباشير الربيع حيث...

- (مقاطعاً) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! حبيبتي يبدو أن ذاكرتك بدأ يتآكلها الصدأ! هل نسيتِ أنه في هذا الشهر من عام 1987 تم اعتقالي لسنوات؟

- بجدّ أنا آسفة حبيبي (وتنْذكر وما تنْعاد) أعتقد أنه لا اعتراض لديك على شهر آذار، يكفي أنه يتضمّن عيد الأعياد، أقصد عيد الأم؟

وهنا ضرب سطح الطاولة بقبضة يده فاهتزّت الفناجين والكؤوس وكادت أن تقع! حتى أن الرواد الجالسين بالقرب منهما التفتوا إليهما بحركة رؤوس موحدة لاستطلاع الأمر. وزمجر قائلاً:

- أتريدين مني مغادرة المكان وأنا بحالة من الغضب الساطع؟ .. آذار؟ ولكْ يا مخلوقة أكثر من أربعين عاماً ونحن نعاني من قانون الطوارئ والأحكام العرفية وكمّ الأفواه.. ما بكِ؟ ألهذه الدرجة أنت ساذجة أم مغفلة أم...؟

- إذن فلْيكن بشهر نيسان؟

- لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم؟ شوفي يا بنت الناس! إذا كنتِ تضعين العصي بالعجلات من أجل إغاظتي، فلْيشهد الله أنك نجحتِ! ماذا جرى لكِ؟! هل نسيتِ اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي على أيدي المجرمين الصهاينة في 17 نيسان؟ أم تريدين مني الاحتفال سنوياً في 9 نيسان بذكرى سقوط بغداد ودمار أركان الدولة العراقية؟

- حبيبي! أقسم لك أنني لم أكن على اطلاع على كل هذه التفاصيل...! لا تنسى أنني لم أتخطّ الخامسة والعشرين من عمري. وخبرتي السياسية متواضعة إلى حدّ بعيد، إذن بشهر أيار؟ لم يبق لنا إلا هذا الشهر! لا تنس أنه يصادف عيد العمال العالمي!

أشعل سيجارة وسحب نفساً طويلاً وزفر متأملاً تقاسيم وجهها فيما إذا كانت تمزح بطرحها. ولمّا أيقن أنها تتحدث بجدية، قرّب ظهر كفّه من رأسها ووضعها على جبينها متفحصاً درجة حرارتها وأجاب:

- مع أنك تبدين طبيعية، وتتحدثين ببراءة الأطفال! إلا أن اقتراحاتك غير طبيعية على الإطلاق! واسمحي لي بالقول أنها أقرب إلى الهلوسة والهذيان! تصوّري أن نحتفل كل عام بجرائم جمال باشا السفاح، الذي علّق المشانق لروّاد النهضة في سورية ولبنان يوم 6 أيار عام 1916؟ أم أنك نسيتِ أيضاً اتفاق الإذعان في 17 أيار بين حكومة أمين الجميل وإسرائيل عام 1984؟

- طيب حبيبي والحلّ؟

وفي هذه اللحظة اقترب منهما نادل المطعم مبتسماً وتدخّل قائلاً:

- عفواً أستاذ! اعذرني لتطفّلي وفضولي... لقد تناهى إلى مسمعي وأنا أقوم بخدمة الزبائن مقتطفات من حديثكما. والحقيقة أنني معجبٌ جداً بثقافتك، ولكن هل تسمح لي بإبداء اقتراح يخرجك مما أنت فيه؟

نظر إلى النادل بعينين غاضبتين وكاد أن يتلفّظ بعبارة توبيخ توقفه عند حدّه. إلا أنه وبآخر لحظة كظم انفعاله وافترّ ثغره عن مجاملة قدّر أنها قد تكون صائبة:

- تفضّل معلّمي، قل ما لديك؟

- العفو أستاذ أنت معلّم الكل! لقد فكّرت ملياً بكما وأنا في المطبخ، ما رأيكما بتاريخ 29 شباط؟

وكقائد جيش أعيته الحيلة في إيجاد حلٍّّ مشرّفٍ للخروج من معركة خاسرة، بعد أن أيقن أن الاستمرار فيها ضربٌ من الجنون. وفجأة جاء من ينقل إليه رغبة العدو بهدنة لوقف إطلاق النار، فأجاب دونما إبطاء:

- يا عيني عليك يا فحل، بالفعل أنت وجدتها! أشكرك جزيل الشكر (ملتفتاً إلى حبيبته) ما رأيك حبيبتي بـ 29 شباط؟ فهذا الموعد يحدث كل أربع سنوات مرة، والكوارث التي أصابت العرب في هذا اليوم قليلة... وحتى لو كانت جسيمة، فإن ذكراها تصادف كل أربع سنوات، ويمكننا التحمّل!

- ولكن السنة الماضية كانت كبيسة! وهذا يعني أنه علينا الانتظار ثلاث سنوات أخرى حتى يحين موعد زواجنا! ومن يدري ماذا يمكن أن يحصل لنا خلال هذه السنوات؟

وكمقامرٍ عنيدٍ خسر كل ما يملك، ولم يبقَ أمامه سوى التنهّد والحسرة والتعلّق بالأمل... أجاب:

- بسيطة حبيبتي بسيطة...! أن نصل متأخرين خير من ألاّ نصل أبداً...

ضيا اسكندر - اللاذقية

عن جريدة قاسيون العدد (271) تاريخ ـا 27/4/2006