عبد اللطيف مهنا

"إن التكنولوجيا النووية الإيرانية أشبه برصاصة أطلقت ولا سبيل لإعادتها إلى الوراء"... هذا القول يختصر الموقف الإيراني، والمعبّر عنه على كافة المستويات الرسمية، من ما يعرف بأزمة الملف النووي القائمة بين الإيرانيين والولايات المتحدة ومعها الغرب وفي مقدمة الجميع إسرائيل. وقائله هو الشيخ هاشمي رفسنجاني، الرئيس الإيراني الأسبق، والرئيس الحالي لمجمع تشخيص مصلحة النظام، أو من صدر في عهده قرار الانطلاقة الثانية للبرنامج النووي الإيراني، إثر توقف الأولى بعيد انتصار الثورة وزوال حكم الشاه، وتحديداً عشية إنتهاء الحرب العراقية الإيرانية... بالمقابل، وفي مقابلة مع القناة الداخلية لوزارة الحرب الأمريكية، يقول وزيرها دونالد رامسفيلد: "إن النجاح في افغانستان، والنجاح في العراق أساسيان لاحتواء النزعات المتطرفة التي نلمسها لدى إيران"..!

لعل هذه ليست آخر الذرائع الأمريكية لتبرير غزو العراق واستمرار احتلاله، بعدما تساقط حتى الآن مسلسل ما سبقها من ذرائع، إلا إنها قطعاً محاولة، وفق المنطق الاستباقي للإدارة الأمريكية الراهنة، للربط بين غزو كلٍ من أفغانستان والعراق والملف النووي الإيراني، التي انطلقت رصاصته، كما يقول الرئيس الإيراني الأسبق، محدثة دوياً لا ينقطع في تل أبيب، يتردد مثله في العواصم الأوروبية، بيد أن هذا الدوي له صدى أكثر ضجيجاً في واشنطن، ظلت ترجمته الأمريكية، المشوبة بشيء من اللكنة الإسرائيلية، وأيضاً على كافة المستويات الرسمية، ولا زالت، هي: أن كل الخيارات تظل قائمة، إن لم يكن لإعادة هذه الرصاصة الإيرانية إلى الوراء فعلى الأقل إيقافها أو التخفيف من سرعتها! أولاً، وقبل الولوج فيما تأتي به الاحتمالات، ما هي هذه الخيارات؟ إنها كل تلك المتاح منها، ابتدا ءً من الضغوط الديبلوماسية والسياسية والاقتصادية، ومعها الوساطات وحتى الصفقات، مروراً بالعقوبات التي لا تستثنى واحدةً مما سبق، حيث للأمم المتحدة، أومجلس الأمن، باعتباره قد غدا الأشبه بملحق بوزارة الخارجية الأمريكية، لاسيما هراوة البند السابع من ميثاقها، دوراً منشوداً في فرض هذه العقوبات وتشريعها... وصولاً إلى الضربات العسكرية بهدف تدمير البرنامج الإيراني في مهده. والآن، ما هي الاحتمالات؟

إنها ببساطة إما تراجع إيراني، أو تهديد عسكري، أو تسليم دولي بقبول أوراق اعتماد ضيف جديد غير مرغوب فيه يفرض نفسه عضواً في النادي النووي الكوني...

وعليه، لنتعرض في عجالة لمثل هذه الاحتمالات الثلاث: ...ولنبدأ بالاحتمال الأول، بالتراجع، هذا الذي تدل كافة المواقف الإيرانية المعلنة، بما في ذلك رصاصة الشيخ هاشمي رفسنجاني، بأنه ليس وارداً، ومن ذلك: لقد انقضى ذلك الشهر الذي كان المهلة التي أعطاها مجلس الأمن الدولي لمدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الدكتور محمد البرادعي، لكي يقدم تقريره لمجلس أمناء الوكالة حول مدى ما يطلق عليه استجابة طهران أو انصياعها لرغبات ما يدعى "المجتمع الدولي" في تبديد هواجسه المتعلقة بالنوايا النووية الإيرانية دونما تلك الاستجابة وذاك الانصياع. كما أنه كان شهراً إيرانياً بحقٍ حفل بكثير من التطورات عكست خلاف ما اشتهت سفن البرادعي ومن كلفوه، ومنها: المناورات العسكرية في الخليج بما حملت من رسائل، وما استعرض خلالها من أسلحة جديدة متطورة...

فالتخصيب الذي أعلن باحتفالية إيرانية تنضح بالتحدي... التحدي الذي غدا لغة إيرانية يومية تصاعدت استباقاً لتسليم البرادعي تقريره العتيد... لغة شعبوية يستطيب سماع لهجاتها المتعالية شارعاً إيرانياً فخوراً برصاصة الشيخ وحولها يشهد إجماعاً قومياً يحرص على وجوب وصولها إلى هدفها المعلن... تلك اللغة التي يمكن رصد خلاصاتها في مقولاتٍ صدرت عن قمة هرم النظام الإسلامي في إيران، أو تمثلت فيما ردده أصحاب عقدة وحلة، بدأ بالمرشد الأعلى خامنئي فالشيخ رفسنجاني والرئيس الإيراني نجاد وصولاً للمشرف على الملف النووي برمته لا ريجاني... التحدي المتمثل في قول المرشد: "إذا غامرت الولايات المتحدة بالاعتداء على إيران، فعليها أن تدرك أن إيران سترد بتعريض المصالح الأمريكية للضرر في العالم أجمع، إيران سترد الصاع صاعين على أي هجوم".

بيد أن الأكثر تحدياً وكان الأكثر خطورة في عين الغرب، هو قوله: أن إيران "مستعدة لنقل خبرة علمائها وعلمهم وتقنياتهم إلى دول إسلامية أخرى"!

أما الشيخ هاشمي رفسنجاني فيقولها وبالقلم العريض: إن "الولايات المتحدة "تستدعينا إلى مجلس الأمن لأننا طردناها من إيران"، أما ما يتعلق بالاحتمالات التي نحن بصددها، فهو يقول: "بما أننا نريد تحقيق أهدافنا، فنحن مستعدون لدفع الثمن"... وسلفاً يبلّغ الرئيس أحمدي نجاد مجلس الأمن غداه تقديم تقرير البرادعي بما يلي:

"إذا احترمت المؤسسات الدولية حقوقنا الشرعية سنحترم قراراتها"... أما في التفاصيل، فينذر لاريجاني بدوره مجلس الأمن بأنه إذا ما تم فرض عقوبات على بلاده، "فسوف نعلّق نهائياً تعاوننا مع الوكالة" الدولية للطاقة الذرية. وهذا التعليق "يعني إننا سنسرّع أنشطتنا"، وإن أي "عمل عسكري ضد إيران لن يؤدي إلى وقف برنامجنا"، وإذا " اتخذتم إجراءات قاسية فسوف نخفي هذا البرنامج، ونظراً لأننا بلد كبير فإن المواقع النووية يمكن وجودها في أي مكان"، وإذا استخدمتم لغة قوة معنا، فعليكم ألا تتوقعوا منا إطلاقاًُ مواصلة العمل بشفافية"... إذن، لا تراجع إيراني، وهذا يطرح تساؤلاً بالتالي نمرّ من خلال الإجابة عنه بالاحتمالين الآخرين، إنه: وعلى ماذا يعتمد الإيرانيون؟

من نافل القول ، أن إعتماد إيران على الموقفين الروسي والصيني المعارضين للعقوبات ولأي عمل عسكري ضد إيران، هو اعتماد، على أهميته، يعد جزئياً لا أساسياً، نظراً لفهم طهران الدقيق لتقاطعات المصالح لدى الأطراف الدولية وتشابكها وتعقيداتها بالإضافة إلى تناقضها، لكن أهم ما يعتمدون عليه هو: أولا: إن امتلاك التقانة النووية هو حق مشروع لهم وفق القوانين الدولية والذي يكفله لإيران ميثاق عدم الانتشار النووي الذي وقعت عليه.

ثانياً: إن هذا الملف، كما أشرنا سابقاً، هو محل إجماع قومي هو في حد ذاته يعد سبباً واضحاً لإلتفاف شعبي بادٍ وراء النظام، ربما لم يسبق مثيله في السنوات الأخيرة على الأقل. ثالثاً: إن أية عقوبات اقتصادية على إيران قد تحول بينها وبين الاستثمارات المفترضة لتطوير انتاجها النفطي، وهذا أمر يتنافى مع مصالح كثير من الأطراف الدولية، ويتناقض مع الحاجة الكونية المتزايدة للطاقة.

رابعاً: وإذا ما وصلنا إلى الاحتمالات العسكرية، فبالإضافة إلى ما قاله لاريجاني، يرى بعض الخبراء، أنه نظراً لانتشار أماكن تموضع المشروع النووي الإيراني على الخارطة الإيرانية المترامية، فلكي يدمر فإن على خصومه ضرب أكثر من أربعمائة هدف إيراني! خامساً: إن وقف تدفق النفط عبر الخليج ، في هذه الحالة، أي إذا ما وقعت المواجهة العسكرية، يعد أمراً قد يكون مفروغاً منه، والاقتصاد الدولي بالتالي لا يحتمل ركوداً قاتلاً يترتب على ذلك، وهذا هاجس لن تغفله أغلب القوى التي ستستمع إلى تقرير البرادعي، وكذا سيظل سيفاً على رأس أصحاب القرار بشن هجوم عسكري يراودهم القيام به.

سادساً: إن من يفكر في اتخاذ مثل هذا القرار لا يمكنه تجاهل أن الأساطيل الغربية في الخليج وجيوش الاحتلال في العراق تعد الأقرب إلى كونها رهينة ستتعرض لا محالة للردود الإيرانية على أي عمل عسكري محتمل، بالإضافة إلى الورطة الأمريكية في العراق المزدادة تفاقماً وارتفاع كلفتها البشرية والمادية التي بلغت وفق دائرة الأبحاث في الكونغرس 320 مليار دولار حتى الآن قابلة للتضاعف ، وزد على ذلك عدم القدرة الأمريكية المعلنة على حشد المزيد من الجيوش، كسبيل لا مفر منه لتوخي نجاح أي استهداف عسكري لا ينجز إلا بغزو شامل ولا تحقق نتائجه المرجوة مجرد ضربات جوية مشكوك في نجاعتها، كما لا يمكن تناسي تصاعد المعارضة الأمريكية الشعبية لغزو العراق وقطعاً أي مغامرة مشابهة... أي أن هذه كلها أمور تقلل من احتمال ذهاب الأمريكان باتجاه مثل هذا الخيار الصعب، لا سيما في ظل فضائح الذرائع الزائفة، وسواها مثل تعمد كشف اسم عميلة انتقاماً من معارضة زوجها لغزو العراق، وأخيراً تأكيد السي آي ايه إنها لفتت نظر الإدارة إلى زيف بعض المعلومات التي قامت عليها تلك الذرائع، الأمر الذي ينبئ بخسارة الجمهوريين في الانتخابات التشريعية القادمة... وحتى إلى رفع البعض شعار وجوب إقالة بوش... خيار صعب رغم منطق رامسفيلد المشار إليه، والأخبار عن ضغوط على تركيا لإقامة مطار عسكري على تخومها مع إيران... يضاف إلى ذلك ما يحضّر من مشروع عقوبات ضد إيران سيقدم للكونغرس الأمريكي، الأمر الذي يذكرنا بأيام التحضير لغزو العراق...

ثم مطالبة كونداليسا رايس مجلس الأمن بسرعة إشهار سيف البند السابق من ميثاق الأمم المتحدة الخ... وأخيراً التحريض الإسرائيلي المستمر، وآخره مزاعم رئيس الاستخبارات العسكرية عاموس يدلين، عن شحنة صواريخ كورية شمالية مداها 2500 كم تلقتها إيران مؤخراً، بما يعني هذا من تلميح خبيث إلى اتساع الخطر الإيراني ليشمل مواقع في الغرب نفسه. إذ أن الإسرائيليين ينظرون للملف النووي الإيراني باعتبار مشكلة وجودية، هذا ما نصح به التقرير الاستراتيجي السري المتعلق بالجوانب الاستراتيجية لعقد قادم، المقدم لوزير الحرب موفاز قبيل نهاية خدمته، والمعروف بتقرير ميريدور، والذي استفرق أعداده عاماً ونصف، وكان في 250 صفحة، والذي لا يطلع عليه إلا نفر معدود، وتقول المصادر الإسرائيلية التي سُرّب عبرها، أنه وحتى بعد نزع بعض البنود منه يوصف بسري للغاية... يقول التقرير أنه إن نجحت دولة شرق أوسطية نووياً ستغدو دولة أخرى نووية... بالإضافة إلى الإعلان عن إطلاق قمر صناعي إسرائيلي لمراقبة النشاطات النووية الإسرائيلية... إذن، وهذه هي حال الخيار الثاني، فهل تبقى سوى الأخير؟!

مما تقدم، التراجع الإيراني لا يبدو وارداً، فالمسألة لدى طهران تظل أكبر من ملف نووي... لعلها مسألة نظام أكثر منها برنامجاً... والعقوبات يحول دونها الحق الإيراني المشروع، وعدم إجماع لدى الكبار المتنفذين على تفاوت في مجلس الأمن، وتناقض مصالحهم، وكذا عدم احتمال العالم لمشاريع حروبٍ استباقيةٍ إضافيةٍ... فالإقدام على المزيد من هذه الحروب، بالإضافة إلى ما قد يجره من كوارث على الاقتصاد العالمي، يحول دونه، نسبياً حتى الآن، غياب الإجماع عليه في بلد يعاني رئيسه أقل نسبة شعبية عرفه تاريخ الرئاسات فيه، وتتنامي فيه المعارضة لحروبه الاستباقية باظطراد يهدد بقلب موازين القوة الانتخابية لصالح معارضيه من الديمقراطيين وفق التوقعات... وعليه، هل نحن إزاء تصعيد تفاوضي متبادل؟

أي هل تظل التسويات واردة، تلك التي يمكن ملامساتها حتى في لهجة التصعيد الإيراني، وما بين سطور الكلام الأمريكي المطالب للإيرانيين "بتصرفات دولة مسؤولة"، والتعقل المفاجئ للمستشارة الألمانية... وأيضاً، رغم كلام الرئيس نجاد عن بلاده التي يرى أنها في طريقها لأن تغدو "قوة كبرى"... وكلام آخر من العيار التالي: إن الأمريكان "يعتقدون أنهم إن عبسوا وأصدروا قرارات، وذهبوا من منظمة لأخرى، فسيتمكنون من إخفاء وجههم القبيح وقراراتهم الجائرة خلف الوكالة ومجلس الأمن"!

والآن، وقد قدم البرادعي تقريره لمجلس أمنا الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكالمتوقع قال فيه أن إيران لم تلتزم بمهلة الشهر لإيقاف تخصيب اليورانيوم التي طالبها به مجلس الأمن، لكنه قال أن إيران مستعدة للإجابة على الأسئلة حول ملفها النووي إذا ظلت المسألة في إطار الوكالة... إيران رأت أن التقرير ليس سلبياً، وروسيا والصين أعادتا موقفهما الرافض لفرض العقوبات كنتيجة لهذا التقرير... والأهم أنه رغم عودة بولتون المندوب الأمريكي لدى مجلس الأمن للحديث عن البند السابع كوسيلة لردع واحدة من "الدول التي تهدد السلام العالمي"، فإن اللافت هو قول الرئيس الأمريكي: "إيران ليست العراق"... تاركاً الباب مفتوحاً للحلول الديبلوماسية!

...هل نحن بصدد تسليم دولي ما، أو بالأحرى غربي، بإيران نووية؟ ربما، لكن هل يتم الإقرار بمثل هذا التسليم، دونما تعميده بتسويات أو تطمينات، وحتى صفقات... وهل هذه تعقد إلا مع أولئك العابسين من ذوي الوجوه القبيحة؟!!