المستقبل

في كل فترة من الزمن يظهر لنا أحد الحكماء الذي يتحدث شاجباً "التعلق" الإسرائيلي بأميركا. مناحم بيغن كان أحد هؤلاء الذين استدعى اليه السفير الأميركي ـ آنذاك ـ سام لويس وقال له تلك العبارة الغاضبة التي لا يمكن نسيانها "نحن لسنا اذنابا لكم"، ومثل هذا الشكل من الغضب يثور ما بين حين وآخر على لسان أحد السياسيين أو المعلقين. قبل وقت ليس ببعيد انفجرت بالضحك حين قرأت في احدى صفحات الجرائد أن "أولمرت يحسن فعلاً اذا لم يسرع بالسفر الى واشنطن" والتبرير لهذه الفضيحة، هي أنه على الرغم من الأهمية الكبرى لواشنطن، فان توقيت الزيارة الآن، وعلى ضوء ما يحدث في العراق الآن، والشعبية التي تواصل هبوطها للرئيس بوش، فان الزيارة ستبدو مشكوكاً فيها. فبعد أن قام شارون بزيارة الرئيس بوش ثماني مرات، وحطم بذلك كل الأرقام في عدد الزيارات التي سبق وان قام بها أي رئيس للحكومة في اسرائيل، وفي أعقاب التفاهمات المتبادلة التي تم التوصل اليها بين الجانبين، فانا آمل بان لا يرفض وريثه (أولمرت) هذه النصائح وان لا يخرج للزيارة الى واشنطن فوراً بعد الاعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة. المسألة الأولى التي لا بد منها، هي أنه من واجب رئيس الحكومة اولمرت أن يرد على الرئيس بوش، وعلى غيره من الديبلوماسيين والمسؤولين الكبار والمحللين السياسيين والصحافيين، عن المعنى المحدد والملزم للعبارة التي يرددها اولمرت عن "خطة الانطواء" ومعناها باللغة الانكليزية. فهل "الانطواء" بمعنى الانسحاب احادي الجانب؟ أم هو بمعنى رسم الحدود من جانب واحد ومن دون مفاوضات مع أحد؟ وهل بمعنى أننا نحن (اسرائيل) هنا وحماس هناك؟. المسألة الثانية، اولمرت سيجد الفرصة المناسبة ليهمس في أذن الرئيس بوش المعلومة التي باتت واجبة التفسير عن الانقلاب التاريخي في السياسة الاسرائيلية حول "التصفية النهائية" لما يعرف بـ "الليكود" وإفراغه نهائياً من "حيروت" التي كانت المنظمة العسكرية القومية الأولى التي تأسس عليها. فالليكود التاريخي انتهى من العالم ومعه النظرية التي تقول بـ "أرض اسرائيل التاريخية الكاملة"، وأنه بدلاً منه، يوجد الآن حزب مركز (وسط) جديد يترأس حكومة جديدة للتسوية ويحظى بأغلبية الكنيست وفي الرأي العام الاسرائيلي. المسألة الثالثة هي أن على أولمرت أن يقدم نفسه وبرامجه الى الرئيس الأميركي، وعلى الرغم من انه خلال عشرات السنين التي انشغل فيها بالسياسة الاسرائيلية، كان من أكثر المسؤولين السياسيين الاسرائيليين الذين كانوا يسافرون الى واشنطن، وأنه واحد من أكثرهم الذين تربطهم علاقات جيدة وحميمية مع كبار ذوي رؤوس الأموال الأميركيين، إلا أنه ـ ومنذ الآن ـ يجب أن يقف ويعرف نفسه أمام أعضاء الكونغرس. ففي نهاية هذا العام ستجري انتخابات الكونغرس، لذلك لا بد من أن يظهر الاهتمام اللازم، لأنه في حالة فقدان الرئيس بوش الأكثرية في الكونغرس سيستمر تأييد هذا الكونغرس لاسرائيل كما كان عليه الحال حتى الآن. هناك توجد القوة، والقدرات الكبيرة، وهناك تعطى الضمانات والالتزامات وترتب الميزانيات التي يقال ان مستقبلنا متعلق بها، ومتعلق باستمرار التأييد الأميركي، وهذا لا علاقة له بالرئيس بقدر ما له علاقة بنوعية الكونغرس. ومع ذلك، فانه حتى لو تمكن الديموقراطيون من احراز اغلبية في الكونغرس القادم، فان تراكم العلاقات الجيدة التي بنيت حتى الآن مع الرئيس بوش سوف تبقى. ففي الانتخابات الرئاسية عام 2004 لم يصوت لصالح الرئيس بوش الا 20 في المئة من اليهود في الولايات المتحدة، بينما صوت 80 في المئة من اليهود لصالح جون كيري. وهذا يعني أن أغلبية اليهود ضد بوش. ومع ذلك، فان هذه الحقيقة لم تغير معاملته لاسرائيل. فالرئيس بوش، شخص مؤمن، وبالمعنى الديني للكلمة، وان تأييده لاسرائيل ينبع من إيمانه الديني الفعلي العميق. فقد نظر الى الانفصال الاسرائيلي عن غزة على أنه انجاز شخصي له، ولا يهم كم مرة أعرب عن رأيه بضرورة اجراء المفاوضات مع الطرف الآخر، الا ان استمرار تنفيذ عمليات الانفصال من جانب واحد سيعتبرها انجازاً جيداً له ولسياسته. وليس من قبيل الصدفة ان واصل شارون القول ان "الرئيس بوش" هو أفضل صديق لاسرائيل منذ قيامها". فلماذا؟ وذلك لأن كلاهما رأى (وفهم) الارهاب الاسلامي على أنه الخطر الأكبر الذي يهدد العالم. وان بوش أطلق يد شارون بحرية ليفعل ما يشاء من أجل افشال العمليات الارهابية التي كان بعض الخلايا الفلسطينية يخطط للقيام بها. هناك بعض الخبراء الذين يتخوفون من ان بوش أصبح حليفاً استراتيجياً ضعيفاً، ولكن ورغم كل حالة الضعف والتراجع، فانه ما زال الرئيس الأميركي وبالوظيفة الكاملة والقدرة على القرار لغاية شهر كانون الثاني 2009 القادم. وانه خلال هذه المدة المتبقية يستطيع أن يمد يد العون لاسرائيل بقدر كبير. فاذا وافق على منح اسرائيل رسالة (ضمانات) بخصوص الكتل الاستيطانية الكبيرة او لم يتمكن، فلا أهمية كبيرة لذلك. فالمهم هو أن يكون هناك تنسيق تام ـ حالياً ـ في الموضوع الايراني والارهاب لتنظيم القاعدة، لان الموضوعين هما الاكثر اهمية بالنسبة لاسرائيل الآن. ان تأييد دول العالم لاسرائيل منوط باستمرار تأييد الولايات المتحدة (بوش) لنا، ومن المهم جداً أن ترى ايران أن الرئيس الأميركي ما زال يعانق اسرائيل ويحتضنها. وأن على أولمرت أن يواصل الحفاظ على كل ما تم الاتفاق عليه مع رئيس الحكومة شارون في واشنطن، وأن يحافظ على صورة السير جنباً الى جنب مع واشنطن، وأن لا يضر أحدهما بالآخر. ومع الأخذ بعين الاعتبار، الأهمية للبحث الذي نشره عدد من الأساتذة في جامعة هارفرد، والذي جاء فيه أن "اليهود كانوا سبباً في توريط أميركا في العراق، والآن سوف يورطونها في ايران"، فان اولمرت سيجد نفسه "سائراً على البيض" في زيارته لواشنطن.