وذلك عندما تم التقسيم الثاني لكوردستان حسب اتفاقية سايكس – بيكو والتي على أساسها وزعت كوردستان بين أربع دول؛ تركيا، إيران، العراق وسوريا.

ومنذ ذاك التاريخ - وحتى قبلها - والثورات الكوردية لم تهدأ والشعب الكوردي يحاول أن يجد لنفسه موطئ قدم على الخارطة السياسية أسوة ببقية شعوب المنطقة، ولكن ولعدم نضوج وتوفر كل من الشرط الذاتي والموضوعي ومجموع المصالح الدولية وسياسة القطبين وما كان يترتب عليها من الإفراط بحقوق الشعوب ولأقليات العرقية والدينية حفاظاً على مصالحهم الاقتصادية والسياسية مع هذه الدول التي تقتسم كوردستان كغنيمة حرب أو كـ"مستعمرة دولية" كما يسميها إسماعيل بشكجي، لم يقم للكورد كما لغيرهم كيان سياسي مستقل. ولكن وبعد انهيار القطب الاشتراكي والتوازنات الدولية الجديدة في العالم، لاحظنا تغير نظرة العالم إلى مجمل القضايا والمشاكل العالقة في العالم وخاصة ما يتعلق منها بمسائل حقوق الإنسان، ومن هذه القضايا كانت القضية الكوردية؛ فبعد سنوات طويلة من المعاناة والجينوسايد من قبل جل هذه الأنظمة الغاصبة لكوردستان كانت منطقة الحماية في جنوب كوردستان ومن ثم وبعد سقوط الطاغية في بغداد، كانت الحكومة الفيدرالية في إقليم كوردستان العراق.

وهكذا احتلت المسألة الكوردية مساحة مهمة في الساحتين السياسية والإعلامية وأصبحت من القضايا التي تجذب الأقلام للوقوف عندها دراسة وتحليلاً ونقداً، وفي أغلب الأحيان للتشهير بها والهجوم عليها على أنها مشكلة جديدة مفتعلة من قبل الغرب، وذلك لخلخلة الشرق وإضعافه وبالتالي هي شكل من أشكال الصراع والتنافس على الهيمنة على خيرات هذه البلدان من قبل الغرب الاستعماري، الإمبريالي، الرجعي. ناسينا إنها قضية أكثر من أربعين مليون إنسان يعيش على أرضه التاريخية وهو محروم من أبسط الحقوق والتي أقرتها مجموع القرارات والبنود والمواثيق الدولية والمتعلقة بشرعة حقوق الإنسان والشعوب في حياة حرة كريمة.

ومن هنا، من هذا المنطلق؛ بأن للناس حقوق متساوية في الحياة والحرية والعيش الكريم ودون تعسف وإكراه، فإننا سنتناول بعض النماذج من الخطاب العربي والذي يقترب من القضية الكوردية إما من منطلق الجهل بها وبالحقائق التاريخية وبالتالي تظليمها والإجحاف بها أو من منطلق عنصري وقومجي حاقد على كل ما هو مغاير ومختلف معه وعلى اعتبار إنه هو صاحب الحق الطبيعي والإلهي في امتلاكه للحقيقة والتاريخ والجغرافية والعرق النقي، وإن مهد التاريخ بدء به وكل هذه الأقوام والأعراق الأخرى المتواجدة على هذه الجغرافية الكئيبة ما هم إلا غرباء ومستوطنين فيها من قبل الغرب الإمبريالي؛ إسرائيل نموذجاً. أو هم من أفخاذ هذه الأقوام السائدة وخير من يمثل هذا النموذج هم الكورد؛ فهم إما "أتراك الجبال" أو "أعراب الفرس" أو من "قبيلة بكر" العربية، وأحياناً يلحقوننا بالعفاريت والجان. ولم يبقى وخاصة في عصر غزو الفضاء إلا أن يقولوا لنا: إنكم أتيتم من الفضاء الخارجي بعد أن طردكم قبيلة أخرى من مجرتها وهكذا ليس أمامنا إلا أن نعد العدة ونعود إلى ديارنا الأصلية، وهكذا تحل هذه المشكلة وينعم القوميون العرب والفرس والترك بالخير والسلام وأيضاً بكوردستان وعربستان وتركستان وفرستان و.. .

والآن سوف نقف عند بعض هؤلاء النماذج والذين يحاولون التشويه والتشويش على المسألة الكوردية، وذلك إما من جهل بالحقائق – كما قلنا سابقاً – أو من منطلق حقد قومي وغل شوفيني وسوف نحاول وبهدوء وبذهنية منطقية عقلانية أن نجيب على مغالطات البعض وأن نرد على بعض الآخرين، الذين يحاولون أن يجعلوننا "مشروع استعماري – استيطاني" يحاول زرعه في المنطقة وذلك على غرار ما يدعون من أنه؛ تم زرع الدولة الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط من قبل الغرب الإمبريالي ناسينا – أيضاً – تاريخ هذا الشعب وقدم تواجده في المنطقة أسوة بغيره من شعوب هذه الجغرافية التي نتقاسمها. ونبدأ بداية مع الأستاذ فايز سارة حيث ينشر مقال له في جريدة الحياة عدد 18-4-2006 وأيضاً تعيد نشرها موقع كلنا شركاء في نفس اليوم وذلك تحت عنوان "اكراد الشرق الاوسط وعذابات المرحلة" حيث يقف عند نقاط عدة مهمة نتفق بدورنا معه ولكن ما لفت انتباهنا هو محاولته أن ينفي الجغرافية الكوردستانية عن الوجود وذلك عندما يقول: "وباستثناء العراقيين الاكراد الذين تتمركز غالبيتهم شمال العراق في حال شبه كيانية، فإن أكراد البلدان الاخرى لا يشكلون مثل ذلك التمركز الكياني من ناحية الانتشار الديمغرافي، ولا من ناحية اخذهم ملامح كيانية. وامر كهذا يجد تعبيره الواضح في حال السوريين الاكراد الذين يمتد حضورهم الرئيس على معظم خط الحدود السورية – العراقية والحدود السورية – التركية في شمال شرق وشمال سورية مع تموضعات ذات غالبية كردية خصوصاً في القامشلي وعفرين". وهكذا علينا أن نستنتج؛ بأنه لا يحق للكورد أن يطالبوا بكيان كوردي في دولة ذات سيادة واستقلالية.

بداية لا نعلم هل هذا استنتاج لقراءاته لبعض المغالين العرب، أم هو كامن في العقل الباطن والإلغائي لدى الأستاذ فايز، أم عن جهل بالجغرافية الكوردية؛ فالوقائع والقرائن وكل الدلائل تشير إلى تواصل وامتداد الخارطة الكوردية وتشكيلها لكيان جغرافي محدد ولن نقول طبيعي، حيث كل الكيانات الجغرافية هي جغرافيات جيوسياسية تتعرض للمد والتقلص والانكماش وذلك حسب قوتها وفاعليتها التاريخية. أم القول والادعاء بأنه؛ أي جغرافية كوردستان، فقط في "شمال العراق" – وطبعاً لا يسميها بكوردستان _ هي "شبه كيانية" هو قول يجافي الواقع والحقيقة؛ فالكورد ومن خلال أماكن تواجدهم وسكناهم الحالية وعلى الرغم من ما تعرضوا له سياسة تهجير وتعريب وتكريد و.. فإنهم لا يزالون يحافظون على جغرافيتهم وبالتالي يشكلون كيان جيوسياسي ولو على شكل "مستعمرة دولية".

وأما بخصوص الجغرافية الكوردية في الدولة السورية وعلى الرغم من تواجدهم في الشريط الحدودي مع كل من تركيا والعراق، فإذا نظرنا إلى الجغرافية الكوردستانية فسوف نلاحظ إنه امتداد طبيعي لباقي الجغرافية الكوردية والمقسمة بين هذه الدول، وهذا يثبت لنا بأن هذه الكيان قد تم تقسيمه واستلابه من قبل هذه الكيانات الموجودة حالياً ووفق تقاطع مصالح وأطماع كل من الدول الغربية آنذاك مع مصالح هذه البلدان التي تغتصب كوردستان كأرض وبشر.

أما ما يتعلق بالجانب الديموغرافي لمنطقتي الجزيرة وعفرين وقوله بأن هناك "تموضعات ذات غالبية كردية خصوصاً في القامشلي وعفرين" فهو قول خاطئ تماماً؛ فإننا كأحد أبناء منطقة عفرين ومن خلال معايشتنا اليومية نقول بأن الوجود الكوردي ولغاية ما سمي بمشروع "الإصلاح الزراعي" كان التواجد الوحيد في المنطقة إلا ما ندر من بعض البيوت العربية والتي فرت من الطغيان التركي، إبان الدولة التركية الحديثة، وكانت لا تتجاوز أصابع اليدين مع بعض البيوتات العربية الأخرى والذين تم جلبهم من قبل الإقطاعيين الكورد كيد عاملة رخيصة للعمل في الحقول الزراعية العائدة لملكيتهم. فأين هذه الحقائق من قولك ذاك، ومع ذلك لا ننكر أن هناك تواجد عربي في بعض البلدات والمدن الكوردية مثل القامشلي وعفرين وكوباني التي تناسيتها وأيضاً لا ننسى الوجود التاريخي للأخوة السريان – الآشوريين وغيرهم من مكونات الشعب السوري والذي يوجب علينا مراعاة حقوق الجميع في دولة مدنية ذات مؤسسات قانونية ودستورية، وليس كيانات أمنية ومزارع قروسطية، الحق وكل الحق مع القوي وكأننا نعيد إنتاج مجتمع الغابة وقوانينها.

جندريس-2006